أن تنفرد إسرائيل بالإقليم

ليست غزة، إنها تل أبيب (غيتي)

بمقدار ردود الفعل الواسعة التي أثارتها الحرب الإيرانية الإسرائيلية كان الحديث عن توازن القوى حاضرا بين النخب السياسية العربية، وفي وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

في حسابات السياسة، لم يكن توازن القوى في الشرق الأوسط رفاهية سياسية أو فكرة عابرة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

كان دائما ضرورة.

اعتبرته الأنظمة والشعوب العربية والقوى الغربية الكبرى ضمانة للاستقرار.

خشية الدول الغربية من انفراد طرف واحد، حتى لو كان إسرائيل، بالإقليم دفعتها بشكل دائم إلى الحفاظ على توازن متعدد، تتقدم فيه إسرائيل خطوة أو اثنتين، دون أن يكون الخلل في التوازن شاملا وساحقا.

تنوع القوى في الإقليم ظل صمام أمان يحول دون شعور شعوب وأنظمة الشرق الأوسط بانهيار السيادة واستباحة أمنها القومي وكرامتها الوطنية.

فهم الجميع ذلك، الأنظمة والشعوب وحتى العواصم الغربية.

الإقليم لا يحتمل أن يُسلَّم لطرف واحد.

والسيطرة غير جائزة ولا مقبولة لا سيما إذا جاءت من هذا الكيان الغريب عن جسد المنطقة والمزروع فيها بيد الاستعمار.

كل اتفاقات التطبيع، والخطاب السياسي والإعلامي المهادن لم يغيّر من نظرة شعوب هذه المنطقة إلى الكيان المحتل.

هي دولة احتلال ليس مسموحا لها أن تكون قائدا، أو أن تنفرد بتحديد شكل الإقليم لتتفوق فيه بشكل كاسح.

بدا عدم ارتياح الأنظمة العربية الرسمية للضربة الصهيونية ضد إيران معبّرا عن هذه المخاوف والقناعات بلا مواربة أو تردد.

بيانات سياسية عربية رافضة للعدوان على إيران كانت خلفيتها المخاوف نفسها، لا تسامح مع الانفراد بالإقليم مهما كان التطبيع مستمرا والعلاقات قائمة.

الشعوب لن تقبل، والتململ والانزعاج البادي عليها لا يحتاج الى برهان، تقول الأنظمة العربية لنفسها!

مهما استقرت علاقات الأنظمة الرسمية بالكيان لا يمكن لها أن تقبل بسيطرة الاحتلال على المنطقة بهذا الشكل الخشن والعنيف.

هو خط أحمر لا يمكن قبوله سياسيا، ولا تبريره شعبيا.

محاولات الانفراد بالإقليم

فيما جرى طوال السنوات الأخيرة، ولا سيما ما بعد طوفان الأقصى، تغييرات سياسية واستراتيجية كبرى.

في المشهد الحالي بدت إسرائيل تحاول الانفراد بالمنطقة وتشكيل خريطتها السياسية الجديدة بإرادة منفردة.

قالها نتنياهو أكثر من مرة!

بالقوة حينا، وبالأدوات الدبلوماسية والاقتصادية حينا آخر، قدَّر الكيان المحتل أن فكرة قيادته المنطقة أصبحت واجبة، وأن الظرف المناسب الآن قد لا يتكرر!

في لحظة تاريخية بائسة فيها من التفكك والضعف العربي الكثير، ظنت دولة الاحتلال أن الأحوال مواتية، وأن الخلاص من القوة الإيرانية قد تكون الخطوة الأخيرة في سبيل طموحها بالهيمنة الشاملة.

خلال سنوات سقطت القوى العسكرية السورية والعراقية، وتقلصت قوة حزب الله اللبناني إلى أقصى درجة في أعقاب المواجهات الأخيرة التي شهدت استشهاد أمينه العام ورمزه التاريخي.

الخلاص من إيران فرصة لمرحلة إسرائيلية كاملة، هكذا ظنوا وخططوا واتخذوا الخطوات!

هي فكرة مغرية لكن تنفيذها ليس سهلا أبدا.

ليس لممانعة تبديها الأنظمة العربية، بل خوفا من شعوب لن تقبل اختلال التوازن إلى هذا الحد المرعب لدرجة التسليم والإذعان لقيادة كيان محتل ومختل!

التوازن في التاريخ

في الخمسينيات والستينيات، وبينما كانت الحرب الباردة تقسم العالم، حافظت “مصر الناصرية” على توازن القوى مع إسرائيل حتى هزيمة الخامس من يونيو/حزيران 1967.

رغم التفوق العسكري الإسرائيلي طوال سنوات وحتى بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، لم تستطع الولايات المتحدة أن تمنح إسرائيل تفوقا إقليميا مطلقا وكاملا.

حافظت أمريكا -اضطرارا- على علاقة متوازنة مع الأنظمة العربية.

أي اختلال كبير في المنطقة لصالح إسرائيل كان يهدد المصالح الغربية ذاتها، هكذا كانت الولايات المتحدة تفكر وتقرر.

في التسعينيات، مع انطلاق مفاوضات مدريد وأوسلو، ظلت سوريا -رغم الضغوط والحصار- لاعبا إقليميا رئيسيا.

عندما جرى تهميش دورها بشكل ممنهج اندلعت حرب 2006، وصعدت قوى المقاومة، وارتبكت المعادلات القديمة.

التساهل مع الهيمنة الإسرائيلية غير مسموح به.

هذه حقيقة تثبتها الأحداث التاريخية.

التوازن مبدأ ثابت لا يمكن لطرف أن يغيره منفردا، أو لآخر أن يقبل بتغييره والارتكان إلى الصمت.

اليوم، تحاول إسرائيل إعادة رسم خرائط الإقليم وفق مصالحها وحدها.

بالرجوع إلى كتاب التاريخ نستطيع التأكيد أن هذا المخطط لن يمر بسهولة، ولن يجد من يدعمه علنا.

لن يسمح للكيان المحتل- شعبيا أولا- أن يكون هو المتحدث رسميا باسم الاستقرار أمام الغرب الأوروبي والأمريكي!

من يوقف الهيمنة؟

في الصيغة المطروحة للانفراد بالشرق الأوسط هناك عوائق ليست سهلة!

وفي كل المحاولات التي تسعى لفرض الهيمنة بالقوة صدام مؤكد مع ما هو أعمق من الجغرافيا أو القوة العسكرية.

صدام حقيقي وجاد بالوعي العام والعقل الجمعي في المنطقة.

هذا الذي لم تلغه الهزائم، ولم تطفئه سنوات القمع الرسمي، ولم تتمكن من تشويهه أدوات التطبيع الثقافي ومحاولات فرض الكيان المحتل بالتحايل.

شعوب المنطقة حتى في أقصى وأقسى لحظات الخذلان لا تزال ترفض أن تدار من قِبل دولة قامت على الاحتلال، ولا تزال تقرأ ما يحدث في غزة، بوصفه جوهر الصراع، لا هامشه.

هو صراع الوجود بالواقع لا الشعارات.

مهما بدا التحول الرسمي  نحو إسرائيل حادّا وجادّا فإن أحلام الهيمنة لن تمر بلا تكلفة كبرى!

لا شرعية دائمة، لا على الأرض ولا في الوعي العام لفكرة “إسرائيل القائد”.

هذه المنطقة، بتكوينها التاريخي والسياسي، لم تعرف انفرادا ساحقا وطويل الأمد للكيان المحتل.

توازن القوى لم يكن صدفة، بل هو شرط رئيس لاستمرار الشرق الأوسط بشكله المستقر، وأنظمته المستبدة!

إذا اختل هذا التوازن، خرج الغضب من مكامنه.

هذا الغضب الصامت سيتراكم إذا ما جرى فرض قيادة إسرائيل على المنطقة قسرا.

وظني أن أحدا لا يريد له أن ينفجر.

فالأسلم أن يسعى الجميع، ولا سيما القوى الكبرى، لتوازن يضمن الهدوء، ويُبعد غضب الشارع عن المشهد، ويحافظ على “استقرار الاستبداد”!

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان