السماء الإيرانية تحت المجهر.. هل تعربد إسرائيل دون رادع؟

رجال الأطفاء في موقع سقوط صاروخ إيراني في تل أبيب (رويترز)

كانت الساعة بعد التاسعة مساء بقليل عندما انطلقت صفارات الإنذار في أنحاء متفرقة من إسرائيل، تنذر بوصول أول الرشقات الصاروخية الإيرانية إلى إسرائيل، في مشهد يعيد إلى الأذهان لحظات التأهب القصوى التي عرفتها المنطقة خلال الحروب الكبرى.

لم تمض سوى ساعات منذ أن وجهت الطائرات الإسرائيلية ضرباتها إلى المواقع النووية والقواعد العسكرية الإيرانية واغتالت علماء إيرانيين، حتى بات الرد حتميا مع بداية كتابة فصل جديد من التصعيد في المنطقة، قد تتجاوز تبعاته حدود النزاع التقليدي بين إسرائيل وفلسطين.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

هذه ليست مجرد جولة قتال جديدة في غزة، بل حلقة في سلسلة أكثر تعقيدا من الاشتباكات الإقليمية والدولية، تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى مثل روسيا وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

إيران المحاصرة كانت تعد لهذا اليوم، فمع بداية هذا العام، وقّعت طهران صفقة مهمة مع موسكو، حصلت بموجبها على مجموعة من الطائرات المقاتلة الحديثة من طراز “سوخوي سو-35″، وهو تطور يُعَد نقلة نوعية في قدرات سلاح الجو الإيراني، الذي يعاني تقادما مزمنا بفعل العقوبات الدولية المفروضة عليه منذ عقود. هذه الطائرات المتقدمة تضاف إلى ترسانة من الأنظمة الدفاعية، أبرزها منظومات “S-300” للدفاع الجوي، التي تُعَد من أكثر الأنظمة فاعلية في التصدي للهجمات الجوية والصاروخية.

السيناريو الأوكراني نفسه

وهذا ما يثير تساؤلات جدية: أين فاعلية هذه المنظومات؟ ولماذا لم تنجح طائرات “سوخوي” الجديدة في صد الهجمات أو تحجيمها؟ الواقع يشي بأن هذه الأنظمة إما لم تُفعَّل بعد، أو أن طهران تفضّل الاحتفاظ بها كأوراق تفاوض، دون الانخراط في مواجهة مباشرة قد تتحول إلى حرب مفتوحة.

لكن السيناريو ذاته يعيد إلى الأذهان ما حدث في أوكرانيا، فالمسيَّرات الأوكرانية الانتحارية من طراز “ليوتي”، التي دخلت الخدمة في عام 2023 وبدأ إنتاجها المتسلسل في صيف 2024، غيّرت قواعد اللعبة العسكرية في الشرق الأوروبي. هذه الطائرات، التي يبلغ طولها أربعة أمتار وتعمل بمحرك بنزين يمنحها مدى يصل إلى 2000 كيلومتر، استطاعت تنفيذ عمليات دقيقة باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف. ففي يونيو/حزيران، نفذت أوكرانيا عملية غير مسبوقة استهدفت مطارات عسكرية روسية، وتم تدمير أكثر من 40 طائرة مقاتلة واستطلاعية، أي ما يعادل 34% من قاذفات روسيا الاستراتيجية، بتكلفة لا تتجاوز مليوني دولار، مقابل خسائر بلغت نحو 7 مليارات.

وفي ضوء هذا، قد لا يبدو مفاجئا أن نتساءل عن فعالية الأسلحة الإيرانية -وهي التي تعتمد على منظومة سلاح روسية مشابهة- في صد هجمات إسرائيلية دقيقة، إن كانت هذه المنظومات قد اختُرقت أو تجاوزتها التكنولوجيا الحديثة المستخدمة في العمليات الإسرائيلية.

موضع روسيا من الإعراب

ومع تصاعد التهديدات الاسرائيلية والتهديد والوعيد، فإن إيران لم تحصل من الشريك الروسي سوى على إدانة لفظية للهجوم الإسرائيلي. ويبدو أن الحرب في أوكرانيا تستنزف معظم الموارد العسكرية الروسية، مما يحد من قدرتها على الانخراط في صراعات إضافية. ويبدو أن الكرملين لا يُبدي نية لمساندة حليفه الإيراني عسكريا حتى الآن. فإيران، رغم دعمها لروسيا بطائرات مسيَّرة وصواريخ في حرب أوكرانيا، ورغم توقيع البلدين في عام 2025 اتفاقا استراتيجيا يمتد لعشرين عاما، لم تحصل على شيء حتي الان!

أما إسرائيل فقد كشف موقع “أكسيوس” الاستقصائي الأمريكي عن حصول إسرائيل على “ضوء أخضر” من الولايات المتحدة لتنفيذ هجومها على إيران. ووفقا لمصادر عسكرية، فلا تزال المعلومات الاستخبارية تتدفق بين واشنطن وتل أبيب كالمعتاد، إذ تزود الولايات المتحدة الطائرات الحربية الإسرائيلية ببيانات أهداف لضرب منشآت عسكرية ووحدات صاروخية إيرانية متحركة.

كما أفادت تقارير إعلامية بمشاركة طائرات أمريكية وبريطانية وفرنسية في اعتراض طائرات “كاميكازي” الانتحارية الإيرانية التي تتجه نحو إسرائيل، ونقلت البحرية الأمريكية المدمرة “يو إس إس توما” إلى المياه الإقليمية في إشارة إلى استعدادات لوجستية.

الشعوب ستدفع الثمن

حتى اللحظة، لا توجد إشارات إلى دعم مباشر من شخصيات سياسية أمريكية بارزة -مثل ترامب- لحليفه بنيامين نتنياهو في هذه العمليات، ما دامت القواعد الأمريكية في الخليج لم تُستهدف. ومع ذلك، هددت طهران بذلك صبيحة يوم السبت، مما يفتح الباب لتطورات قد تشمل دخول أطراف جديدة في المواجهة.

إذا هاجمت إيران قاعدة أمريكية أو سفينة حربية أمريكية في الخليج بشكل مباشر، فلن يكون أمام ترامب خيار سوى التدخل الهجومي أيضا. حينها عليه على الأقل تدمير مصدر الهجوم على المنشأة الأمريكية، لأن هذه بمنزلة خط أحمر لأي رئيس أمريكي.

الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة انفجار جديد، إذ لم تعد المعادلات التقليدية التي حكمت النزاع لعقود قائمة. فالأطراف تختبر حدود بعضها، والميدان ينتظر الشرارة التي قد تشعل الحريق الكبير، وتجد دول المنطقة نفسها في بؤرة الصراع رغما عنها. وللأسف، ستدفع شعوب المنطقة الأثمان الباهظة كالعادة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان