الإمبراطور ترامب يستعرض عضلاته!

الرئيس الأمريكي عائداً من قمة مجموعة السبع (الفرنسية)

 

غلاف مجلة “إيكونومست” الرصينة حمل رسمًا يمثل الإمبراطور ترامب، يريد ضم كندا وبنما وغرينلاند، وقارنته في افتتاحيتها بالرئيس الأمريكي رقم 25 وليام ماكينلي الذي تولى الحكم عام 1897، وانتصر في الحرب الأمريكية الإسبانية 1898، وأعلن ضم هاواي وبورتو ريكو وغوام والفلبين للولايات المتحدة، والمفارقة أنه اغتيل عام 1901 وخلفه الرئيس تيودور روزفلت.
الإمبراطور، الباحث عن سلطة بلا حدود، تصدر السبت الماضي، العرض العسكري “الضخم”، الذي طالما أراده، والذي تضمن استعراضا هائلا للقوة العسكرية والحماسة الوطنية، وإلى جانب هذا فقد تزامن مع يوم عيد ميلاده الـ 79.
العرض العسكري، شارك فيه نحو 7 آلاف جندي وعشرات الدبابات والمروحيات، فيما يعد احتفالا رسميا بالذكرى الـ 250 لتأسيس الجيش الأمريكي.
غير أن مشهد الدبابات التي تجوب شوارع العاصمة، دفع حاكم كاليفورنيا الديمقراطي غافن نيوسوم، للقول إن العرض العسكري، كان “من النوع الذي تراه مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوتراه مع الديكتاتوريين حول العالم.. الاحتفال بعيد ميلاد القائد العزيز؟ يا له من أمر مُحرج”.
وبحسب ما ذكرته صحيفة “واشنطن بوست”، فإن العرض صادف يوماً غائماً في نهاية أحد أكثر أسابيع رئاسته اضطراباً حتى الآن، وبعد انتشار القوات العسكرية في لوس أنجلوس، ثاني أكبر المدن الأمريكية، وانطلاق الحرب بين إيران وإسرائيل. وقبل أقل من 24 ساعة من بدء العرض، وقع الاغتيال المستهدف لرئيسة مجلس نواب ولاية منيسوتا السابقة وزوجها.

تسييس الجيش

وتشير صحيفة “ذا هل” الأمريكية إلى أن خطاب ترامب الصاخب أمام أفراد الجيش في “فورت براغ”، “أدى إلى تصعيد المخاوف بشأن تسييس الجيش، حيث أطلق الجنود صيحات الاستهجان ضد الرئيس بايدن وحاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم والصحافة”.
وتكشف صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية عن تطور مثير في موقف المؤسسة العسكرية من رغبة ترامب في إقامة عرض عسكري، إذ في ولايته الأولى، واجه ترامب مقاومة شديدة من البنتاغون، الذي رفض الفكرة تمامًا حرصًا على إبعاد القوات المسلحة عن السياسة.
حراك ضد عسكرة الديمقراطية
وبينما كان الرئيس الأمريكي في واشنطن لحضور عرضه العسكري، تجمع حوالي 200 متظاهر في ساحة لوغان شمال غربي المدينة، وهتفوا “ترامب يجب أن يرحل الآن”، فيما خرج الملايين في ولايات عدة في احتجاجات حاشدة ضده وصفته بـ”الديكتاتور الطامح لأن يكون ملكا”.
ويذكر الموقع الإلكتروني لحركة “لا ملوك”، أن هذه المسيرات تأتي “ردا مباشرا على عرض ترامب المبالغ فيه، ورفضا للسلطوية ولسياسات لا تخدم سوى المليارديرات ولعسكرة ديمقراطيتنا”.
في ختام العرض، أشاد الإمبراطور الجديد، بجيش بلاده واصفا إياه بأنه “أعظم وأشرس وأشجع قوة قتالية”.
وقال ترامب “لقد تعلم أعداء أمريكا مرارا وتكرارا أنه إذا هددتم الشعب الأمريكي، فإن جنودنا سينقضّون عليكم، ستكون هزيمتكم حتمية، وزوالكم نهائيا، وسقوطكم سيكون شاملا وكاملا”.
ترامب وصل للبيت الأبيض متكئًا على زعامة تيار أمريكي شعبوي يميني جديد لم يعرف له التاريخ الأمريكي مثيلا. وأطلق على هذا التيار اختصارا لفظ “ماغا” (لنجعل أمريكا عظيمة مجددا) والذي وحد أفكار فئات مختلفة في توجهاتها وأهدافها، ومتناقضة في خلفياتها الاقتصادية والتعليمية.

التوسع بأمر الرب

وفي حفل تنصيبه في 20 يناير/ كانون الثاني الماضي، الذي كان مشهدا فاشيا بامتياز، تحدث ترامب عن القومية الأمريكية الجريحة والخيانة، وكرس جزءا من خطابه الافتتاحي لفكرة “المصير الواضح”، وأن “التوسع الأمريكي هو حقنا الإلهي”.
ونظرة سريعة على الأحداث، تجعلنا نكتشف بسهولة من هم الأعداء، فدولة الاحتلال الإسرائيلي وكيلة واشنطن بالشرق الأوسط، تقصف حاليا فلسطين وإيران واليمن وتستبيح أراضي لبنان وسوريا والعراق.
وداخليا، اعتبر ترامب الديمقراطيين واليسار، والمهاجرين وشرائح واسعة من السكان، وبالأخص المسلمين والملونين بمثابة الأعداء..
ولطرد المهاجرين يضغط البيت الأبيض مؤخرًا من أجلِ المزيدِ من عملياتِ الترحيلِ والمداهمات نظرًا لتخلفه عن تحقيقِ هدفه العنصريَّ بترحيلِ عددٍ أكبر من الأشخاص مقارنةً بالإدارة الديمقراطية السابقة.
في الأسبوعِ الماضي، اختطف عملاء إدارةِ الهجرة والجماركِ عشراتِ المهاجرين في مجمعٍ سكنيٍّ للطلابِ في فلوريدا، وحمّلوهم في حافلات.
وبالمقابل تدفق مئات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع، يلوّحون بأعلام المكسيك، وفلسطين، وتظاهروا سلميا، لكنهم قوبلوا بوحشية الشرطة، بينما سعى آخرون لإقناع قوات الحرس الوطني بالانسحاب من المدينة.
كل السلطة.. للإمبراطور
تعد شعبية ترامب تعبيرا بليغا وصارخا عن غضب قطاعاتٍ عديدة، لعل جلها من “البيض” وإن تخطاهم، من الناقمين على ما يرونها أوضاعاً اقتصادية مجحفة ونهجا ثقافيٍا مولغا في “الليبرالية”.
ويفسر الاقتصادي الماركسي بول م. سويزي صعود الفاشية بقوله: ” الفاشية هي أحد الأشكال السياسية، التي قد تتخذها الرأسمالية في المرحلة الاحتكارية الإمبريالية”.
وتستند الحركات والأنظمة الفاشية إلى تحالف هش بين رأس مال احتكاري وبرجوازية صغيرة مُعبأة أو طبقة متوسطة دنيا.
ويلفت الانتباه الى أن “التعبئة للطبقة/الطبقة المتوسطة الدنيا بتحريض من قطاعات من رأس المال الاحتكاري عندما ترى الطبقات العليا من المجتمع نفسها مهددة بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، التي تُهدد هيمنتها”.
يؤدي هذا إلى هجمات على الدولة الديمقراطية، واستيلاء قطاع من الطبقة الحاكمة على السلطة، مدعومًا بجيش من الأتباع من القاعدة، غالبًا في البداية بالوسائل القانونية، ولكن سرعان ما يتجاوز الحدود الدستورية.
وأخيرا…” تتركز السلطة في أيدي قائد أو فوهرر، أو امبراطور تقف وراءه مصالح رأسمالية عملاقة”.
ويصاحب ذلك قمع شديد لشرائح من السكان الأساسيين، تستخدم غالبًا ككبش فداء. تسعى مثل هذه الحركات حتما إلى تأمين حكمها أيديولوجياً من خلال السيطرة على الجهاز الثقافي بأكمله للمجتمع في عملية أطلق عليها النازيون اسم “إعادة التوازن”.

المقاومة تتوسع.. وترامب يتراجع
وبسرعة تماثل السرعة، التي تحرك بها ترامب لتنفيذ أجندته السياسية ووعوده الانتخابية، تراجعت نسب تأييده، كما تظهر استطلاعات حديثة للرأي.
وتحت ضغط الاحتجاجات، تراجع ترامب بشكل مفاجئ عن سياسة الترحيل الجماعي، وأمر بوقف مداهمات الهجرة في قطاعات الزراعة والفنادق والمطاعم، بعد اعتراف نادر بتأثير هذه الإجراءات على الاقتصاد المحلي.
والملاحظ، أن الاحتجاجات تتطور وتتسع ضد مشروع ترامب اليميني المتطرف، من انتفاضة “حياة السود مهمة” عام 2020، إلى مظاهرات “ارفعوا أيديكم عنا ” المليونية في أبريل/نيسان الماضي، إلى انتفاضة لوس انجلوس ومظاهرات “لا للملوك”.
والأهم أنها تنتقل من صراع بين العرقيات إلى صراع اجتماعي/سياسي، صراع يضع نصب عينيه الانحياز الى الفقراء والمهمشين، والمضطهدين في فلسطين.
صحيح أن شرارةً واحدةً قد تُشعل حريقًا هائلًا، لكن الانفجار يتطلب أيضًا تراكماتٍ عدة، على مدى زمني ممتد.
وكما كتب الكاتب الأمريكي “جوشوا كلوفر” في كتابه “تمرد إضراب تمرد” عصر جديد من الانتفاضات، قد تبدو احتجاجات كتلك التي شهدتها لوس أنجلوس، وكأنها تندلع فجأةً “في لحظاتٍ من الزجاج المحطم والنار”، لكنها في الواقع تنبثق من هياكل أكبر من عدم المساواة “لا فكاك منها في ظل الأزمة الرأسمالية المستمرة والمنهجية”.
ويبقى أن الأمل معقود على تجذر مثل هذه التحركات، وخصوصا العمالية، من أجل وقف مسار الجحيم الراهن، والمرشح للتفاقم، في منطقتنا المنكوبة، وهو الأمل، مهما صغر، في عالم يليق بإنسانيتنا المكلومة.

 

 

 

 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان