أبعاد الضربة الأمريكية لإيران

لا تريد الولايات المتحدة حربا طويلة مع إيران، ستكتفي بالضربة الخاطفة التي وجهتها إلى مفاعلاتها النووية “فوردو” و”نطنز” و”أصفهان”، وسيجد الرئيس ترامب في صوره المتداولة داخل غرفة العمليات، وتدويناته المتلاحقة على مواقع التواصل، ما يشغله أو “يلهيه”، فيتشدق متباهيا منفوشا أمام الكتلة اليمينية المؤيدة له في القاعدة الشعبية الأمريكية، بأساطير عن إنقاذه العالم من الخطر الذي كانت تمثله إيران.
على الضفة الأخرى، لا ترغب إيران بالقطع في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة التي أصبحت مثل ثور أسباني، قد “ينطح” في جميع الاتجاهات، إمعانا في إظهار القوة. وأغلب الظن أن طهران التي تتقن إدارة ملفاتها، وتحسب حساباتها السياسية بدقة، ستفعل مثلما فعل الخميني حين أبرم معاهدة وقف إطلاق النار بعد ثماني سنوات من الحرب مع العراق.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
حينذاك قال الخميني قولته الشهيرة “ويل لي لأني ما زلت على قيد الحياة، لأتجرع كأس السم بموافقتي”.
لكن الاحتمالات تبقى مفتوحة
هذا رأي مبدئي في استشراف ما سيحدث في غضون الأيام وربما الساعات القليلة المقبلة، لكنه ليس الرأي الفصل، وقد يأتيه الباطل، فيغدو هباء منثورا، أو “هبدا” بتعبير مستخدمي منصات التواصل، وإذا ما ردت إيران على العدوان باستهداف الولايات المتحدة، سواء بطريقة مباشرة أو بوساطة التنظيمات والجماعات المسلحة الحليفة معها في المنطقة، فإن كل الاحتمالات ستغدو مفتوحة، وإن كان ذلك بعيدا إلى حد كبير.
بهذا المنظور، فإن الصواريخ الإيرانية التي ضربت قلب حيفا وتل أبيب، بعد الضربة بنحو ثلاث ساعات، محض حراك خشن على الأرض، للحفاظ على هيبة النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية، أمام مواطنيه من جهة، وفي محيطه الإقليمي على التوازي، والأرجح أن الضربة التي تقول إيران إن مفاعلها لم يتضرر جراءها، وبرنامجها النووي لم يتأذ إثرها، هي ضربة للتمهيد لمفاوضات، تريد واشنطن أن تكون لها فيها اليد الطولى.
هي ضربة لحلحلة الموقف السياسي إذَن، ضربة ترضي جميع الأطراف، فالرئيس الأمريكي يستطيع بعدها أن يدعي أنه أنهى الحرب، وها هي “أمريكا القوية” تبسط سيطرتها وتفرض عضلاتها العسكرية المفتولة، وبالتوازي سيُفحم اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، بما أسداه من فضل جليل وحسن صنيع للاحتلال الإسرائيلي. أما نتنياهو فبوسعه أن يلبس لبوس الزعيم القوي الذي استطاع إقناع البيت الأبيض بالمشاركة عسكريا في درء الخطر النووي الإيراني، الذي يتشدق به منذ صعود نجمه السياسي قبل نحو ربع قرن.
ولن يخرج النظام السياسي الإيراني من “المولد بلا حمّص”، فلديه مكتسباته السياسية، ومنها أنه أسقط خرافة الردع الإسرائيلية، وأرسل ألسنة النيران إلى قلب العمق الاستراتيجي لدولة الاحتلال، للمرة الأولى في تاريخ الحروب ضدها، وهو الدرس الذي ستحسب إسرائيل حسابه، وسيظل كابوسا يحرمها هدأة الكرى، ويردعها عن الاقتراب إلى الجمهورية الإسلامية في المستقبل.
ضربة المفاعل إذَن، هي ضربة سياسية على الأرجح، وقد نرى في المدى المنظور استئناف المفاوضات بين الإدارتين الأمريكية والإيرانية، والدليل على ذلك ما سجله ترامب على منصة “تروث سوشيال” فور الانتهاء من القصف: “حان وقت السلام”.
سبق ذلك تأكيدات من تل أبيب وواشنطن معا، بأن لا رغبة ولا نية في إسقاط النظام الإيراني، ولا عزاء لابن الشاه الذي أخرجوه من مخازن التآمر، كما يُخرج الساحر الأرانب من قبعته.
أوراق لم تطرحها طهران على الطاولة
واللافت من قبل ومن بعد، أن الاكتفاء بالضربة الأمريكية الخاطفة يتسق مع طبائع الرئيس ترامب الذي يتباهى بأن فترته السابقة لم تشهد حروبا، فالرجل من حيث كونه “سمسار عقارات” سابقا، لا يعنيه إلا دوران عجلة الاقتصاد، وهو بطبيعة الحال يدرك يقينا أن بين يدي طهران أوراقا يمكنها أن تلقيها على الطاولة، فتهز الاقتصاد العالمي هزات ثقيلة، ومن تلك الأوراق إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره ما لا يقل عن 20% من إمدادات النفط العالمي، و30% من الغاز.
الأقرب إلى المنطق أن الحرب بصدد وضع أوزارها، بلا غالب ولا مغلوب، إلا وفق رؤية كل فريق، واتجاهات المحللين وربما أمانيهم.
على أي حال، فإن ما لا شك فيه أن الوصول إلى هذه النهاية يُعَد مكتسبا كبيرا لطهران، التي أظهرت الحرب انكشافها استخباريا، ليس في الضربة الإسرائيلية الأولى التي حصدت عديدا من قادة الصف الأول من العسكريين فحسب، وإنما قبل ذلك، ومع اغتيال الشيخ حسن نصر الله في لبنان، وإسماعيل هنية في قلب طهران.
خاضت إيران الحرب إذَن، وعمقها مكشوف للمخابرات الإسرائيلية، ومعها بالطبع المخابرات الغربية بأسرها، لكنها رغم ذلك أسست على المستوى اللوجيستي لنهج جديد في المواجهات العسكرية.
ليست مبالغة، هذه هي المعركة الأولى في تاريخ الحروب الحديثة، التي تخوضها دولة من غير غطاء جوي من سلاح الطيران، ورغم ذلك حققت معادلة ردع موجعة لعدوها.
ستجد إيران الكثير من الإنجازات لتتحدث عنها، وسيعتلي المرشد الأعلى منبره مجددا، ليهتف في حماسة: الموت للشيطان الأكبر والشيطان الأصغر، وستردد من خلفه آلاف الحناجر في حوزات إيران والعراق أيضا الهتاف ذاته.
وعودا إلى المفاوضات التي يُرجَّح أنها قاب قوسين، وإلى عبارة الخميني بتجرع السم، فإن سياسة الصبر الاستراتيجي التي انتهجتها طهران بعد إبرام الهدنة مع العراق، أنجزت في هدوء ما لم تنجزه رشقات الصواريخ ودانات الدبابات والمدافع، في الحرب التي خسر الطرفان فيها مليون ضحية، ولم تنته بنصر حاسم للعراق بل بتفوق نسبي طفيف.
بهذه السياسة، نجحت السياسة الإيرانية في الاستفادة من متغيرات السياسة الإقليمية والدولية، حتى صار العراق حديقة خلفية لها، وزرعت طهران فيما بين دجلة والفرات الميليشيات الموالية، وامتدت إلى “سوريا الأسد” واليمن وجنوب لبنان، فإذا بمشروعها الإقليمي -الذي تسميه مشروع تصدير الثورة- يكتسب أرضا جديدة تراكميا، وخطوة تلو خطوة.
صحيح أن خسائرها بعد طوفان الأقصى خسائر فادحة، لكنها بأي حال من الأحوال ليست باتة حاسمة لا رجعة فيها، على طريقة جورج قرداحي: جواب نهائي، في برنامجه الأشهر “مَن سيربح المليون؟”.
الضربة الأمريكية تفتح أمام إيران الإشارة الخضراء نحو امتلاك قنبلة نووية، بعد أن استوعبت الدرس بالقطع، ورأت رأي العين أن تلكؤها في إنجاز هذه الغاية لم يكبح الحلف الأمريكي الصهيوني عن الاعتداء عليها، بل إن هذا التلكؤ هو الذي أغرى ترامب باستعراضه الخاطف السريع على خشبة مسرح العبث السياسي الدولية.
هذه الضربة في كل الحالات، وبغضّ النظر عما سيحدث على المدى المنظور، ستمثل تصريحا أمريكيا بامتلاك إيران السلاح النووي، فمن لا يملك هذا المخلب في “غابة اليوم” ستنهشه الضباع من كل الاتجاهات.
