صمت الصواريخ.. هل يوقف الهجرة العكسية؟

إسرائيليون يغادرون البلاد هروبا من الصواريخ الإيرانية (الفرنسية)

لا يمكن الجزم بأن الحرب بين طهران وتل أبيب قد انتهت فعليا، فداخل الكيان المحتل، وبالأخص في أوساط الحزب اليميني المتطرف، برزت ملامح انقسام حاد. إذ وجه عدد من أعضائه انتقادات لنتنياهو، معتبرين أنه أخفق في إقناع ترامب بمواصلة الضربات ضد إيران، مما يعكس شعورا ضمنيا بالهزيمة وعدم إشباع رغبة الردع والانتقام.

في المقابل، تواصل إيران وضع يدها على الزناد في حالة تأهب لأي تحركات إسرائيلية، هذه المؤشرات مجتمعة ترسم صورة لهدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة، فبالرغم من تشبث ترامب بوقف الحرب، فإنه لا يمكن الاعتماد على تصريحاته، أو حتى قدرته على لجم طموحات نتنياهو، مما يبقي نار التوتر مشتعلة في المنطقة، في سيناريوهات متعددة، في مقدمتها احتمال عودة المواجهة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

على مدار اثني عشر يوما من التصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، تَحوّل العمق الإسرائيلي من منطقة محصّنة إلى ساحة مواجهة مباشرة، في تطوّر غير مسبوق في تاريخ الصراع الذي كان دائما في الظل، فللمرة الأولى منذ عام 1948، ضربت الصواريخ الإيرانية قلب تل أبيب وحيفا وبئر السبع وغيرها من الداخل المحتل، لتُسقط معها ما بقي من وهم “العمق الآمن”.

المؤكد أن القبة الحديدية، التي لطالما شكلت رمزا للدفاعات الإسرائيلية، بدت مخترقة أو غائبة في لحظات حرجة. فبعض الصواريخ وخاصة في حيفا، ضربت أهدافها دون إنذار، لتكون صرخات المفاجأة من المدنيين هي البديل.

هروب جماعي بلا عودة

ما يهمنا هنا ليس فقط البُعد العسكري لما حققته إيران في ضرباتها للكيان المحتل، بل الأثر الاجتماعي والنفسي العميق على المستوطنين، فقد وثقت تقارير إعلامية عبرية وغربية، صورا ومقاطع فيديو للحظات هروب جماعي من موانئ حيفا وأسدود وهرتسليا بعد أن أغلق المجال الجوي، وبحسب “وكالة أسوشيتد برس”، فإن أكثر من 6,500 إسرائيلي غادروا إلى قبرص خلال الأيام الأولى من التصعيد، بعضهم عبر بواخر وسفن سياحية، وبعض آخر من خلال يخوت خاصة استأجروها بمبالغ وصلت إلى 6,000 شيكل للفرد الواحد.

وفي هذا السياق، كشفت “تايمز أوف إسرائيل” أن منظمات يهودية مثل “حباد” في قبرص نظّمت حملات استقبال ودعم لعشرات الآلاف من القادمين الجدد، معظمهم من المستوطنين الذين فرّوا من مناطق المواجهة داخل إسرائيل، حيث قدرت التقارير العدد بأكثر من 15,000 خلال الأيام الأولى من الحرب.

يمكن أيضا فهم ردود المستوطنين من خلال منصات عبرية تحليلية، رصدت تحوّلا لافتا في خطاب المستوطنين، مشيرة إلى أن تلك الحرب هزّت الإحساس بالحصانة لدى الإسرائيليين داخل العمق، في إشارة إلى الخوف العميق الذي طرح تساؤلات جوهرية عن جدوى الرهان على “أرض الميعاد” التي تحولت إلى أرض لحروب يشعلها نتنياهو بحجة تحقيق الأمن، فتجلب كل شيء إلا الأمن.

تصدع داخلي

قد يكون الانتصار الأكبر لإيران ليس في عدد الصواريخ، وما نتج عنها من دمار وقتل، بل في ما أحدثته من تحول نفسي واستراتيجي في الداخل الذي ظن نفسه محصنا، إذ كشفت الحرب -رغم محدوديتها الزمنية- عمق التصدع في الداخل الإسرائيلي. فلم تعد المواجهة تقتصر على الحدود أو على أراضٍ بعيدة، وإنما وجد المستوطنون أنفسهم مشردين بلا مأوى، مع نقص الملاجئ وعدم تحصينها، واختباء نتنياهو وقادته تحت الأرض، كل ذلك زعزع ثقة المستوطنين في الحكومة ومنظومة الحماية التي طالما تفاخر بها القادة العسكريون.

تجول وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بين الركام بعد أن خرج من مخبئه، وسط سخط شعبي واضح، حيث حمّل كثيرون سياسات اليمين المتطرف مسؤولية التصعيد مع إيران. بدا بن غفير مرتبكا، يتصبب عرقا، وهو يواجه الغضب الشعبي، قائلا في لحظة اعتراف: “لم نكن نعلم مدى قوتهم”.

وفي ظل هذه المعطيات، يمكن وصف ما جري خلال الأيام الماضية في الكيان المحتل بأنه أشبه بزلزال، ضرب بعمق الفكرة الصهيونية التي بُنيت على وهم الأمن المطلق والبقاء الأبدي، إذ لطالما روج بأن الانهزام والزوال لا يمكن قبولهما وإن لاح شبحهما من وقت لآخر، لكن المستوطنين يهربون، لا لأنهم يبحثون عن وطن، بل هربًا من وطن مزيف، فشل في أن يمنحهم الأمان الذي وُعدوا به.

“لا أمان الآن في أي بقعة” هذا ما ردده مستوطنون طوال أيام الحرب، تلك عبارة قيلت قبل ذلك وما زالت تقال من سكان غزة الذين ساروا شمالا وجنوبا وشرقا وغربا داخل القطاع، بحثًا عن الأمان، لكن هذا الهاجس لم يعد حكرا عليهم، إذ بات الصهاينة في لحظة ما يتشاركون معهم هذا الهم.

ولأن لكل شيء بداية أو شرارة، لنعد إلى ما تلا طوفان الأقصى، فتلك كانت الشرارة التي بدأت فيها الهجرة العكسية، إذ تكشف بيانات هيئة السكان والهجرة للكيان المحتل، أن أكثر من نصف مليون مستوطن غادروا الأراضي المحتلة ولم يعودوا.

فشل استراتيجي

ورغم ما يؤكده الجانب الصهيوني من تماسك جبهته الداخلية، فإنه لا يمكن الجزم بتوقف نزيف الهجرة العكسية، لا سيما أن ما حدث أسهم في انهيار نفسي، قد يكون أكثر فتكًا من تصدع مبنى اخترقته الصواريخ، إنه تصدّع أمني واجتماعي بين المستوطنين أنفسهم، كشف عن عمق العنصرية التي مارسوها، ليس فقط ضد العمال الأجانب، بل بين طبقاتهم الاجتماعية، في منع بعض الإسرائيليين ذوي الأصول الإفريقية، من دخول الملاجئ.

يضاف إلى ذلك الانتقادات التي بدأ صوتها يعلو أكثر فأكثر من قبل أحزاب المعارضة، بعد ما اعتبروه فشلا استراتيجيا ليس فقط في اتخاذ قرار الحرب على إيران وإنما أيضا في عدم قدرة نتنياهو على تحقيق ما أرداه من إنهاء التهديد الإيراني، وكأنها حرب عبثية لم ينتج عنها سوى الدمار، والدعوة إلى انتخابات مبكرة تزيل نتنياهو عن المشهد وتنهي الحرب في غزة وتعيد الأسرى.

وأمام هذه المعطيات، تبدو اللحظة الراهنة كأنها منعطف تاريخي حاد، يضع مسمارا جديدا في نعش الصهيونية ومرتكزاتها، فهل يعني توقف الصواريخ حقًّا عودة الفارين أم أنهم قد شرعوا في كتابة فصول جديدة من هجرتهم؟

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان