“هيا بنا نضرب”.. شعار الحروب الاتفاقية!

طهران تطلق دفعة من الصواريخ نحو إسرائيل
صواريخ إيرانية قبل وقف اطلاق النار (غيتي)

 

لم يعد الزواج فقط هو العلاقة الإنسانية التي لا تحتمل الخلاف، وتحث أطرافها على الإسراع نحو الإمساك بتلابيب الاتفاق؛ فقد استطاعت ما يمكن تسميتها المسألة “الإيرانية-الإسرائيلية” من إدخال مفهوم الاتفاق في علاقة الصراع المعقدة بين الدولتين غير الجارتين، والتي وصلت لحافة الحرب.في مصر مثل شعبي معروف بكثرة التداول حين يرغب المتحدث أو الوسيط في اتفاقات الزواج في وأد خلاف في بدايته، أو تهدئته إذا تصاعد، أو إنهائه إذا تأزم، فيتم استدعاء عبارة: “كل شيء بالاختلاف إلا الزواج بالاتفاق”، لكن الحرب التي دارت رحاها في أبريل/ نيسان 2024، وتجددت قبل أيام بين إسرائيل وإيران، أدخلت بوقائعها وتفاصيلها أساليب جديدة تجعلها تنضم للعلاقات التي يمكن إدارتها بالاتفاق – كالزواج – تمامًا، كما يمكن إدارتها بالعنف والانتقام، والبطش، والقمع والسحق.

الحرب المحكومة


لم تعد إدارة الحرب استثناء من إمكانية الاتفاق عليها كحالات الارتباط والزواج، بل ضربت إيران وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، نموذجًا جديدًا في علاقات الصراع عبر ما يمكن تسميته بـ”الحرب المحكومة”، أو التي يتم فيها التحكم في حدود الفعل، وفي مقدار رد الفعل، وكذلك إدارة توقيت الوصول إلى الحافة، وكيفية الابتعاد عنها.
إن تبادل المعلومات مسبقًا قبل الهجوم، والرسائل المعلنة والمشفّرة وعبر وسطاء، هو توجه جديد في إدارة الحروب، لا ينتمي لمنطق الردع الكلاسيكي الذي يفرض عنصر المفاجأة والقوة الساحقة إن أمكن، ولكنه نمط جديد يمكن تسميته “الحرب المحكومة”، التي تُستخدم فيها القوة العسكرية دون إفراط، ووفق حسابات محددة بدقة.لم يشهد تاريخ الصراعات الإقليمية حول العالم سابقة لما جرى بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني، الذي زرعه العالم الغربي على أرض فلسطين التاريخية في 15 مايو/ أيار عام 1948.
فقد تبادلت إيران وإسرائيل ضربات جوية وصاروخية في ربيع 2024، وقد بدأت إيران الضربات الصاروخية ردًا على قصف إسرائيل للقنصلية الإيرانية في العاصمة السورية دمشق، واغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في العاصمة الإيرانية طهران، وردّت إسرائيل بهجمات محدودة، ثم توقف كل شيء، فيما بدا وقتها أنه اتفاق على الاكتفاء بما تقدم من قصف.

حرب ولا حرب


اللافت في المواجهة المباشرة الأولى بين النظامين العدوين ما سبق اشتباكهما وما تبعه من إشارات وتفاهمات ضمنية قلصت من فرص اندلاع حرب شاملة وقتها، حيث أخطرت إيران الدول المجاورة بمواعيد ومسارات الصواريخ والطائرات المسيّرة، ليس فقط لتفادي صدام مباشر مع دفاعاتها الجوية، ولكن أيضًا لأن بعض هذه الدول هي مواطن نفوذ للولايات المتحدة، التي ترعى إسرائيل، ومفهوم أن المعلومات ستصل في النهاية للكيان الصهيوني.
في المقابل، مرّرت حكومة “تل أبيب” رسائل طمأنة عبر وسطاء إلى طهران بأن الرد لا بد أن يتم لمخاطبة الداخل الإسرائيلي، لكنه سيكون رمزيًا حرصًا على عدم التصعيد، وبدى بوضوح أن كل طرف يريد توصيل رسالة للداخل والخارج لا تتسبب في نتائج كارثية.

عود على قصف


لم يكن ما جرى بين إيران وإسرائيل مجددًا قبل أيام سوى نسخة محدثة من النهج الجديد، حيث أدارت الولايات المتحدة الأمريكية مشهد الوصول إلى الحافة، وتكفّلت بإخراجه دون حرب طويلة أو نصر حاسم، فلا أحد يريد الحرب بمعناها التقليدي، حيث تُزهق أرواح كثيرة في كل طرف، ويتكبد خسائر هائلة، لكنه يدرك أن تصعيدًا محدودًا هو المطلوب لتوجيه رسائل عبر الحرب، أو عبر الادعاء أو التشبه والتمثل بحالة الحرب.
في الحرب التي اندلعت في الثالث عشر من يونيو/ حزيران الجاري، بدأت إسرائيل بهجمات جوية وصاروخية بعيدة المدى، وردّت إيران بالمثل، وظلت جولات القصف المتبادل قد توحي بالوصول لحافة حرب مدمرة وواسعة، لكنها في الحقيقة كانت تدار بحسابات استراتيجية، وضغوط إقليمية دولية دقيقة وغير معلنة لكنها واضحة، تمنع الانزلاق مباشرة للحرب المفتوحة.

غرفة التحكم


في صراع إسرائيل وإيران، لعبت “واشنطن” دور منسق الاشتباك المحكوم والمحدود، لمنع تطور المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة، ففي المرة الأولى تولّى الرئيس الأمريكي السابق “جون بايدن” تهدئة الوضع، وقادت إدارته جهودًا بين الطرفين لوقف الاشتباك، وفي المرة الثانية كان الرئيس الأمريكي الحالي “دونالد ترامب” هو من أعلن التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، أو بالأحرى هو من فرضه، بل وعبر علنًا عن رفضه لانتهاك إسرائيلي محدود أيضًا لوقف إطلاق النار، بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ أمس الثلاثاء.
تكرر المشهد، فدولة تعلن أنها ستضرب، وأخرى ترد بأنها مستعدة للرد، وأنها تختار الوقت المناسب، وبين الإعلان والتنفيذ تنشط خطوط التواصل الخلفية لتحديد الأهداف التي يمكن التضحية بها واعتبارها “كومبارس” في المشهد، وكذلك الأهداف التي ينبغي عدم الاقتراب منها، حرصًا على توازن الردع، وفي كل الأحوال هناك غرفة للتحكم في حجم الصراع ومداه وتوقيتاته، وفق حسابات النتائج المرجوة لكل طرف.

الحروب والمسارح


لقد دخل العالم مرحلة جديدة من إدارة الصراعات الدولية، يمكن تسميتها بـ”الحروب الاتفاقية”، حيث لا تبدأ الضربات العسكرية إلا بتبادل الإشعارات والرسائل، ولا تنطلق الصواريخ إلى هدف غير معلوم قدر الإمكان، وأن يكون هناك وقت كافٍ لأن يكون الهدف منشأة يتم تفريغها، أو موقعًا يتم إخلاؤه، أو قاعدة يتم نقل قواتها وعدتها قبل القصف مباشرة.
لم يعد هناك فاصل بين الحرب والمسرح، فكلاهما يدور عبر ملقّن يُملي النص، ومخرج يتصور السيناريو ويضبط الإيقاع، وجمهور يشاهد ويبدي رد الفعل بالتصفيق وصفارات الإعجاب أو الاستهجان، حتى لو كان المشهد رتيبًا ومملًا ومكررًا على الجانبين.
لم تعد الحرب سباقات محمومة نحو التدمير والإفناء والتضحية بملايين البشر كالحروب الكلاسيكية، ولكنها أصبحت حروبًا محكومة بنتائج محسوبة، وبخسائر محصاة بدقة قبل القصف، رغم التقدم التكنولوجي الرهيب والمتسارع، الذي كان يحمل تخوفات من دمار شامل في أي حرب، لكنه أصبح في عصر الذكاء الاصطناعي وسيلة لضبط الإيقاع في اشتباك محدود عبر السماء، لا يغير موازين القوى، بعد أن أصبحت الحرب اتفاقًا شعاره: “هيا بنا نضرب!”

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان