لماذا لا تبدو ألمانيا بلدا ودودا؟!

ليس معنى أن هناك مدينة تتربع على عرش أجمل المدن الأوروبية من حيث الجمال والرفاهية، أنها بالضرورة مدينة ودودة ترحب بالغريب أو حتى القريب. على العكس من ذلك، فقد تبدو بعيدة عن الود والترحاب، مما يسبب صدمة كبيرة للسائحين أو المهاجرين.
ألمانيا، التي كانت ظاهريا ترحب بالمهاجرين لدوافع وصفتها بالإنسانية في عهد المستشارة أنغيلا ميركل، لم تعد كذلك في عهد فريدريش ميرتس، فالتقلب السياسي بين الترحيب والرفض يتغير باستمرار، وفقا للمصلحة، التي قد تستدعي في أحيان قبول المهاجرين لأسباب ديموغرافية، مثل نقص المواليد أو العجز الحاد في قطاعات عديدة منها الخدمات الطبية، وتقنية المعلومات، والهندسة، وغيرهما.
نتائج استطلاع صادمة
وبغض النظر عن الإعجاب بألمانيا الصناعية وكرة القدم والمناظر الطبيعية الخلابة، فكيف يصف السياح المدن الألمانية التي تشترك معظمها في الجمال والمظاهر السياحية الخلابة؟ يكشف استطلاع رأي أُجري مؤخرا، وشمل أكثر من 13 ألف مهاجر حول تجاربهم في أوروبا، عن نتائج مخيبة للآمال فيما يخص ألمانيا، فقد جاءت أربع مدن ألمانية في ذيل القائمة الأوروبية من حيث الشعور بالراحة والترحيب، وهي على التوالي: فرانكفورت، برلين، هامبورغ، وميونيخ.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
لم يشعر المهاجرون بالقبول أو الراحة مع سكان تلك المدن، وكما وصفت الصحفية جوزفين نيمكا في أحد مقالاتها: “إن الشعور بالراحة في مدينة جديدة لا يعتمد فقط على المعالم السياحية أو المطاعم أو الطقس، بل يعتمد بشكل أساسي على كيفية تعامل الناس معك. في حال الوجوه العابسة، والسلوك الرافض، واللامبالاة، لا يودّ المرء البقاء في المكان”.
للأسف، احتلت ميونيخ، العاصمة البافارية، المرتبة الأخيرة في مؤشر عام 2024، وحصلت على أدنى تقييم حتى الآن، إذ صرّح أكثر من 40% من المشاركين بأنهم يجدون صعوبة في التكيف مع الثقافة المحلية، كما جاءت في المرتبة 52 من حيث الشعور بالترحيب، والمرتبة 50 في الشعور بالانتماء، والأخيرة كذلك في مؤشر “الود”.
مالقة الأفضل عالميا
إذا، رغم كل هذا الثراء الطبيعي، والتميّز الاقتصادي والعلمي، والنظام المثالي، لا يشعر الوافدون الجدد بالترحاب، مما ينعكس سلبا على حالتهم النفسية، وقد يسبب صدمة تؤدي إلى الاكتئاب، ثم ربما مغادرة البلاد نهائيا.
تكوين الصداقات يمثل تحديا كبيرا للمهاجرين في ألمانيا، ومن المعروف أن بناء علاقات صداقة هناك يحتاج إلى وقت طويل، وقرابة ثلثي المهاجرين يجدون صعوبة في تكوين صداقات مع السكان المحليين، ويصف كثيرون الوضع بأن الألمان “باردون” و”غير ودودين” تجاه الأجانب.
ولا يخجل الألمان من انتقاد أنفسهم. ذات مرة، رأيت إعلانا في مترو الأنفاق يقول: “ابتسم لنفسك، وقل لها صباح الخير كل صباح”. تأملت هذا المعنى كثيرا، فهم يحاولون غرس ثقافة الود في النفوس بعد أن أصبحت الحياة اليومية باهتة وقاسية للغاية.
مدينة مالقة الإسبانية جاءت في المرتبة الأولى أوروبيا من حيث التكيّف مع الثقافة المحلية، وأعرب 78% ممن شملهم الاستطلاع عن شعورهم بأنهم موضع ترحيب، وبالتالي، يرتفع شعور الانتماء لتلك المدينة الجميلة. إسبانيا بشكل عام، والبرتغال، وإيطاليا، هي وجهات مفضلة للأوروبيين الباحثين عن دفء العلاقات الإنسانية.
بعد مالقة، تأتي مدينة مكسيكو سيتي التي تشتهر بودّ شعبها، كثاني أكبر مدينة في العالم من حيث الترحيب بالغريب.
لكن أعود إلى مالقة، هذه المدينة الأندلسية الجميلة، فهل لذلك علاقة بجذور الثقافة العربية التي أثرت في إسبانيا إبّان الحكم الإسلامي من القرن السابع وحتى الخامس عشر؟ لعل هذا صحيح، فقد نقل العرب إلى الأندلس ذروة الثقافة الإسلامية التي لا تزال شواهدها قائمة في مدن الجنوب الإسباني.
المتقاعدون يهربون من ألمانيا
وينتقل بنا هذا الواقع إلى ظاهرة أخرى، وهي أن الكثير من الألمان عندما يبلغون سن التقاعد، يختارون العيش في إسبانيا، أو البرتغال، أو حتى مدينة مراكش المغربية، ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، أهمها البحث عن الود في الشيخوخة، وعن الترحيب الذي يفتقدونه في وطنهم.
حتى في شركة “لوفتهانزا” الألمانية يظهر غياب الود، فخدمة الرحلات -على سبيل المثال رحلة إلى القاهرة- تقتصر على كوب ماء و”ساندويتش” جبنة، في حين تقدّم مصر للطيران وجبة سخية تعكس الكرم والود المصري، الذي كثيرا ما يثني عليه الألمان أنفسهم، فمصر من أكثر الشعوب وُدّا وترحابا بالأجانب.
في إحدى زياراتي إلى مصر، جلس إلى يميني شاب، وعن يساري فتاة ألمانية. الشاب والدته ألمانية ووالده مصري، لكنه يتحلى بروح مصرية خالصة. كان ذاهبا لزيارة والده الذي يعيش في الفيوم، بينما كانت الفتاة ذاهبة لرحلة عمل كما قالت. سألت الشاب: ما أكثر ما يعجبك في مصر؟ قال: “الناس”. سألت الفتاة السؤال نفسه، فردّت كالعادة بتحفظ، غارقة في عالمها المنفصل اجتماعيا عما يدور حولها والمتمثل في سماعات الأذن الكبيرة والموسيقى.
رغم كل ذلك، تبقى ألمانيا وجهة مفضّلة للباحثين عن حياة جديدة، فبغض النظر عن العواطف والود، يظل النظام الاجتماعي فيها من الأفضل عالميا، والتأمين الصحي، وفرص العمل، والعدالة الاجتماعية، والجدّية، كلها أسباب تدفع المهاجرين إلى الحلم بالعيش في ألمانيا، حتى وإن غاب الود.
