ميكافيلي.. هل ما يزال يحكم العالم؟

الأمير هو الكتاب العمدة لميكافيلي (منصات التواصل)

مات نيقولا ميكافيلي في 21 يونيو 1527، وعاشت نصائحه وجدد اختيارها حكام كثيرون، وأصبحت دستورهم، وكما قيل: فالبعض يضع كتاب “الأمير” تحت وسادته، وهو أشهر كتبه وأكثرها تأثيرا في العالم..
يختزل البعض ميكافيلي في قوله: الغاية تبرر الوسيلة، ويتهمونه بزيادة الشرور في العالم، وكأن هناك من سعوا للعيش بشرف، وعندما عرفوا نصيحة ميكافيلي تغيروا!
تكمن عبقريته في اكتشاف خبث البعض، وتقديم النصائح لجعل الرغبات الخبيثة واقعا يستفيد منه صاحبها، ولا يهم تأثيرها في الآخرين، وهو القائل: “حبي لنفسي قبل حبي لبلادي”، وطالب الحاكم بالتظاهر بالتدين وبالقوة أثناء ضعفه، فغالبية الناس تحكم بما تراه، وطالب بتوظيف الدين للسيطرة على المحكومين.

قتل وخيانة


وُلد ميكافيلي في 3 مايو 1469، وقدم نصائحه من واقع خبراته في مناصب سياسية تقلدها في فلورنسا بإيطاليا، وبعد دراسة عميقة للتاريخ.
كان نموذجا لتبرير المصلحة، فهاجم الملك أغاثوكليس لوصوله إلى السلطة بوسائل إجرامية، وقال: نرفض وصف قتل مواطنيه وخيانة أصدقائه وانعدام رحمته بالفضيلة، ثم أشاد بفضيلته! وبأنه قائد ممتاز للغاية!!
وأصبح فكرة، والأفكار لا تموت، خاصة عندما تجد من يستسلم لها ومن يغذيها بامتصاص دماء المستسلمين، ويتجاهلون قول مارتن لوثر كينج: تتحقق انتصارات مؤقتة بالعنف، ولكنها لا تحقق سلاما دائما أبدا.

خوف وفظائع


نبّه ميكافيلي إلى طريقة ذكية لمعرفة حكمة الحاكم بالتعرف إلى المقربين منه، ونصح الحاكم بألا يبحث عن الحب، بل عن الهيبة، والتمسك بسلطته وسيطرته على البلاد، حتى لو كان تجسيدا للفساد بأنواعه، فالحاكم صاحب النية الجيدة لا يجب محاكمته عند ارتكابه فظائع عند تأسيس حكمه، فالمهم النتائج المفيدة له ولمن يحيطون به.
وإذا استطاع الجمع بين الحب والهيبة فليفعل، وإن لم يستطع فليختر الهيبة.
وأكد: الحب والخوف لا يجتمعان، فمن الأسلم أن نُهاب على أن نُحب، والهيبة لا تُطلب بل يتم فرضها.

المرتزقة والسيادة


من أذكى نصائحه: إذا طلبت من جارك مساعدتك بقواته للدفاع عنك، فكأنك استعنت بمرتزقة، فإذا خسرت فستهزم، وإذا كسبت فستكون أسيرا لديه.
وهي نصيحة مخلصة تنبّه لأهمية تقوية النفس، وعدم الاعتماد على الدعم الخارجي، الذي يكون مشروطا و”فواتيره” باهظة، ويصدق ذلك ليس على الدول فقط، ولكن على الأشخاص أيضا، فأفضل العون هو العون الداخلي، فلا يرتهن بظروف الآخرين ورغباتهم ومصالحهم وربما تقلباتهم وغدرهم أيضا.
ونتفق مع ميكافيلي في قوله: “السيادة تنبع من الدولة، وهي سيادة مطلقة، غير قابلة للتنازل أو للتجزئة والتقسيم”.

عنف وغدر


من أكثر أفكار ميكافيلي انتشارا: هي فعل كل شيء للبقاء في السلطة، وللسيطرة على المحكومين، وتوسيع النفوذ، واستخدام العنف والغدر لصالح الطبقة الحاكمة، والحفاظ عليها من دون أي معايير إنسانية أو أخلاقية، وكأنه يعيش واقعنا المعاصر، والسلب الممنهج لمقدرات بعض الدول لصالح الأقوى عسكريا، والأعلى صوتا إعلاميا، والجرائم غير المسبوقة.
ويجيد ميكافيلي اللعب على غرور البعض فيقول: “إنها متعة مضاعفة عندما تخدع المخادع”، ويدافع البعض عن انتهازية ميكافيلي، ويقدمها بأنها “الواقعية” السياسية.

الثالوث المظلم


يطلق بعض علماء النفس على الميكافيلية اسم (الثالوث المظلم)؛ حيث النرجسية، والاعتلال النفسي، والبرود العاطفي، والعدوانية، والرغبة في الانتقام بعنف، والاستعداد الدائم للكذب، والتلاعب بالناس وخداعهم؛ طمعا في السلطة، والمال، والشهرة…
ونرى ذلك واضحا عند غالبية حكام الغرب، حيث تغليب مصالحهم الشخصية، ثم مصالح بلدانهم، وليذهب باقي العالم للجحيم، ونجد الدفاع المستميت عن كل ما يخص إسرائيل، والهجوم الشرس والعنيف ضد كل من يتصدى للاحتلال.
يبرر البعض أفكار ميكافيلي بأنه عاش وسط اضطرابات سياسية، وكأن العالم لا يمر في معظم الأزمنة بصراعات عنيفة، وهذا التبرير والدفاع عن تحطيم حياة الضعفاء من أجل ضمان هيمنة الأقوياء، هو دعم وإعلان واختيار بأن السياسة لا ضمير لها، وأن من يملك القوة والمكر بوسائل غير مشروعة يجب الخضوع له.
وعن الحرب، أكد ميكافيلي: “الرجال والفولاذ -يقصد السلاح- والمال والخبز هم أوتار الحرب، والرجال والفولاذ هما أكثر ضرورة، فسيجدون المال والخبز، والعكس ليس صحيحا”، وقال: “الرجل الغني الأعزل هو جائزة الجندي الفقير”، وقال: “الأشياء الجديدة والسريعة تخيف الجيوش”.

قابيل والمتغلب!


على مر الأزمنة، ينبهر البعض بالأشرار، وإلا فبماذا نفسر تسمية البعض لأولادهم باسم قابيل، وهو أول قاتل في التاريخ الإنساني؟ لماذا قاموا بتخليد اسمه؟ وما سر إعجابهم به، واختيارهم لاسمه؟ هل رغبة في تقليده وإن عجزوا؟ أم سيرا وراء أي “متغلب” ولو كان قاتلا لأخيه؟
لم يزرع ميكافيلي بذور الشر، بل اكتشفها وقدّم للراغبين الطرائق العملية لتحويلها إلى واقع، ولا عزاء لمن لا يقومون بحماية أنفسهم، ولا يضاعفون قواهم النفسية، ويزيدون قدراتهم على الردع لأعداء الداخل والخارج…
ويضعون أنفسهم بأيديهم وبإرادتهم تحت رحمة من “يتلذذون” بانتهاك حقوق الضعفاء، ويرحبون بالأعمال “القذرة” التي يقومون بها أو بمن يقوم بها نيابة عنهم، ويتنافسون في دعمه سرا وعلانية…
وينزعون ما تبقى من أوراق التوت التي كانوا يتسترون خلفها سابقا، ونعني بها التغني بحقوق الإنسان، واتضح أنهم يقصدون بالإنسان فقط إنسان ميكافيلي، القائل في كتابه فن الحرب: “من الأفضل هزيمة العدو بالجوع بدلا من الفولاذ؛ فهذا النصر أهم من الفضيلة”!

الأبرياء والفولاذ


من أقوال ميكافيلي التي تجاهلها بعض الحكام، ودفعوا هم وأوطانهم الثمن غاليا: “الأبرياء العزل من الخبرة والفطنة يهلكون”، وقوله: “من لم يصنع ما يلزم للعيش -الأكل- فهو بلا فولاذ”.
ولزرع القوة في القلوب والعقول، فليتدبروا قول مانديلا: “الحق كالشمس، قد يغيب لكنه يشرق من جديد”، وكلمات جلال الدين الرومي: “لقد وُلدت بالعظمة، لقد وُلدت بأجنحة، لا يفترض بك الزحف، لديك أجنحة، تعلم كيف تستخدمها وحلّق”.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان