هل يستثنى السكن الرئيس من الإرث لبنات المتوفى وزوجته؟!

مسجد غيان وابى في فاراناسي (الجزيرة مباشر)

ناقشنا على مدار أربع مقالات سابقة، قضية تثار بين الحين والآخر، وهي مسألة متعلقة بالتعصيب مع البنات، إذا توفي رجل وترك ميراثا، وكان الورثة بنات فقط، وليس لهن أخ ذكر، وهنا يتشارك الأعمام أو الأقارب الذكور مع البنات في التركة، بعد أن يحصلن على نصيبهن، ولأن القانون المعمول به في مصر وهو بحسب جمهور الفقهاء، متمثلا في المذاهب الأربعة السنية، يقضي بألا ترث البنات سوى الثلثين، وبقية التركة تذهب للأقارب الذكور، وما ذكرناه من آراء فقهية من قبل، هي أشبه بدعوة للنظر في الأمر، وهو ما يحتاج إلى نظر فقهي مجمعي، ثم صياغة قانونية تراعي ضبط المسألة، فهو في النهاية ما سيطبق.

بنات المتوفى أو زوجته والتركة المسكن فقط:

لكن هناك حالات نراها في الحياة، ونتعرض لها في الفتوى، ومجالات الصلح العرفي بين الناس، في مسائل المواريث، وهي حالة: يموت الأب، ويترك بنات فقط، وتكون التركة كلها محصورة في بيت السكن، سواء كان بيتا محدودا، أو شقة سكنية، وتقسيم التركة بهذا الشكل، يعني بيع بيت السكن، وحصول البنات على الثلثين، وهو ما يعرضهن للخروج من بيت أبيهم، وعدم وجود مأوى يناسبهم، رغم أن نصيبهن الثلثان، لكن وجود شركاء هنا يعرضهن لهذه المشكلة.

وحالات أخرى مماثلة، مثل: الزوجة التي يتوفى عنها زوجها، ولا يوجد لهم فرع وارث، بنين أو بنات، ويكون نصيبها ربع التركة، وقد لا يكون هناك تركة سوى بيت السكن، وإذا قسم بينها والورثة، فسيكون مصيرها الشارع، أو حياة الفاقة والحرمان، بعد سنوات طويلة من الزواج.

فتوى القرضاوي لقريبتي:

وأذكر منذ سنوات طويلة، منذ ما يقرب من عشرين عاما أو يزيد قليلا، كانت لي قريبة متزوجة، ولم ترزق بالذرية، وكان سبب الحرمان من الإنجاب يتعلق بالزوج، وهو رجل فاضل يحبها كثيرا، وهي تحبه، ورفضت إلحاح كثيرين من الأقارب أن تنفصل، لترزق الذرية من غيره، ورفضت رفضا قاطعا، وليس له -وقت السؤال- ما يورث عنه سوى بيت السكن، وهو محدود المساحة، وبدأت مخاوف محتملة من سوء معاملة بعض أهل الزوج تقلق الزوج والزوجة من المآل في المستقبل، ولو انتقل إلى رحمة الله، فأكثر ما ستناله الربع، في ظل سنها الكبيرة، فماذا تفعل في مثل هذا الحال؟

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

استفتاني الرجل في الأمر، هل يجوز له شرعا أن يؤمّن حال الزوجة بعد وفاته، بعدم الخروج من البيت، بنصيب يضمن لها سكنا يؤيها بعد وفاته في هذه السن؟ وذهبت أحمل السؤال لشيخنا القرضاوي، وظننت أن الإجابة ستكون الاكتفاء بحقها في الميراث فقط، لكنه أفتى وقتها، بأنه لا مانع من فعل ذلك، بما يضمن لها حفظا لكرامتها، وصيانة لها، فليس من اللائق بالعشرة الحسنة، أن تترك عرضة للضياع، أو الحياة المهينة.

لكن كثيرا من الحالات لا ينتبه الأزواج لفعل ذلك في حياته، فإذا توفي الرجل، ولم يكن له تركة سوى المسكن الأساس للأسرة، شقة كانت أو بيتا يؤوي الأسرة زوجة، أو بنات، فهل هنا يمكن أن يتم استثناء ذلك السكن من التركة، ليكون مأوى للزوجة، أو البنات، وهل يدخل هنا تحت باب الانتفاع المؤقت فيما زاد عن نصيب التركة، أم يحق لهن الاحتفاظ بالبيت كحق مشروع؟

دراسة فقهية تستثني بيت السكن من التركة:

هذه المشكلة لا نجد الشكوى منها في حالة وفرة التركة، من مال وعقارات، لكننا نجدها في حالات كثيرة، حين يكون السكن الأساس هو التركة كلها، وقد كان الورثة المشاركون للزوجة أو البنات من قبل، حين يجدون أن التركة تنحصر في مسكن فقط، يتركون نصيبهم تورعا، وعن طيب خاطر لزوجة الأخ أو لبناته، رأيت ذلك في حالات، ورأيت في حالات أخرى غير ذلك، وكنت أبحث في الأمر عن مخرج شرعي، يحفظ على هؤلاء المبتليات بذلك، حتى وجدت دراسة في غاية القوة والطرح الفقهي المتزن، لصديقنا العزيز الدكتور أحمد كافي، بعنوان: (السكن والتركة.. هل يعد السكن الرئيسي من مشولات الإرث؟ مقترحات حلول لمشكلة التعصيب)، في كتاب كبير بلغ عدد صفحاته (300) صفحة، دعم دراسته بالنصوص، والنظرات الأصولية والمقاصدية والواقعية والأخلاقية، وسوف أحاول نقل أهم ما ورد في دراسته، بما يعمق الرأي الذي نميل إليه هنا.

معاني يجب استحضارها في المسألة:

قرر أحمد كافي جواز إخراج السكن من وعاء الإرث، حفظا وصونا للزوجة والبنات، وبيّن معاني عدة مهمة ينبغي استحضارها في المسألة، وهي:

أولا: أن المطالبة بالإرث هو حق لطالبه، فإن كان سيؤدي إلى التشريد فهو مؤشر على تحول القيم في المجتمع، لأن أي حق إذا كان سيؤول الطلب به إلى مآس وكوارث، فمعيب أخلاقيا المطالبة به عند الفضلاء، لأنه يعدونه بعيدا عن المروءة.

ثانيا: إن العصبة والعاصب إنما سمي بهذا الاسم، وورث به، لأنه عاصب: أي حامٍ ومساهم في تحمل الأضرار وتبعات ذلك عن أسرته التي ينتمي إليها، فالمأمول من العاصب: الحماية لا التشريد.

ثالثا: إذا كانت الأسرة عندها وفر مادي، أي تركة محترمة وكبيرة، فالكلام ها هنا هو تطبيق مسطرة الإرث الشرعية بحذافيرها، وإدراج السكن الرئيس في الإرث، وأن المقصود هنا عندما لا تملك الأسرة إلا هذا البيت الرئيس فقط.

أدلة إخراج السكن الرئيس من وعاء الإرث:

وساق الدكتور أحمد كافي أدلة على جواز إخراج السكن من وعاء الإرث في الحالات التي ذكرناها، ومن أهم هذه الأدلة، ما ورد من أن نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يخرجن من مسكنهن بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، والمفترض كإرث أنهن مشتركات في الثمن، وبما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما تركه لا يورث، فكان من الأولى خروجهن من البيوت، وهو ما لم يحدث، فقد بقيت نساء النبي في حجراتهن حتى وفاتهن.

لقد ثبت في النصوص الشرعية أن الصحابة لم يقتسموا مساكن أزواجه، ولا نهض الصحابة الكرام إلى منعهن من الاستفادة منها، ومنعوا بعد وفاتهن أن تكون تركة لمن بقي من أقربائهن على قيد الحياة، فأعملوا النصين معا، النص المانع من جعل أمواله للورثة، والنص الثاني القاضي بجعل المساكن للارتفاق لزوجاته لا للورثة.

فالناظر إلى سنوات وفاة زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-، وخاصة أخراهن، وهي السيدة عائشة، وقد توفيت بعد وفاته بأربع وأربعين سنة، فبأي حق شرعي هنا بقيت في هذه الحجرة التي كانت لها بحكم أنها زوجة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، اختلفت التأويلات في هذا الفعل من الصحابة، هل كان إرثا لهن، أم تملكا، أم انتفاعا دون التملك، والواضح أنه كان انتفاعا دون تملك، وبوفاتهن تؤول هذه الحجرات إلى المال العام، والمصلحة العامة للأمة، وتم ضم الحجرات للمسجد النبوي فيما بعد.

أما الدليل من السنة العملية في حياته -صلى الله عليه وسلم- في المسألة، فهو بيوت أزواج المهاجرات الغريبات عند الأنصار، وأنه -صلى الله عليه وسلم- منع إخراجهن من البيوت، وتركها لهن، من غير إدراجها في قسمة الميراث، فالصحابة الذين هاجروا من مكة إناثا وذكورا، فتزوجت بعض المهاجرات من الأنصار، وكان الزوج يموت، فيصبحن غريبات عن وطنهن الأصلي وأهلهن بعد وفاة الزوج، وقد يدفع ذلك أقارب الزوج بطلب حقهم في السكن الذي خلفه، فقد تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع هذه القضية بما ورد عنه عن زينب -رضي الله عنها-: أنها كانت تفلي رأس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعنده امرأة عثمان بن عفان، ونساء من المهاجرات، وهن يشتكين منازلهن، أنها تضيّق عليهن، ويُخرجن منها، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تورث دور المهاجرين للنساء، فمات ابن مسعود، فورثته امرأته دارا بالمدينة.

فاختلف العلماء في هذا الحديث، هل هذه ميزة خاصة بالنساء المهاجرات في المدينة، أم هي قضية عامة لمثيلاتها، كحل لهذه المشكلة، لمن تكون في مثل وضعهن، أم أنه كان تصرفا نبويا قبل نزول آيات المواريث، أم أن هذه البيوت كانت عطاء من الدولة، وكان حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- هنا من باب السياسة والإدارة؟!

بغض النظر عن هذه الاختلافات كلها في دلالة فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الحادثة، فإنه ورد عنه ما يحل المشكلة، سواء كانت متعلقة بزوج أو زوجة أو بنات، كل ما تركه المتوفى هنا هو السكن الرئيس، وأن الأولى رعاية ذويه، بعدم الإخراج من السكن، وأن نعتبر ذلك من باب الرفق والصيانة للخلق، وهو مبدأ أخلاقي لا ينفصل عنه تشريع الإسلام في المواريث، فضلا عن بقية التشريع الإسلامي في كل تفاصيله، والذي لا يخلو من مبادئ أخلاقية تكون سياجا لهذه الأحكام، والمجتمع الذي تطبق فيها.

خلاصة الرأي في الموضوع:

من خلال هذه النصوص، والمقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يمكن لهذه الحالات ألا يعد السكن الرئيس من الميراث، بل يستثنى، وينال الوارث حقه، سواء كان زوجة، أو بنتا أو بنات للمتوفى، أو زوجا يرث زوجته، وليس لديه بيت يؤويه سوى بيت الزوجية، فهنا يعرف حقه ونصيبه الشرعي، ويظل في المسكن، أو تظل الزوجة والبنات في المسكن، من باب حق الانتفاع فترة حياتهم، أو حياتهن، على ألا يدخل ما يزيد عن حقه أو حقهن كتركة تورث لورثتهم بعد وفاتهم، بل يعود لأصحاب الحق الذي أخذ منهم.

فهنا النظر الفقهي الذي نقدمه هنا هو: حق الانتفاع بما ليس من إرث المحتاج في السكن الرئيس، حتى يتم استغناؤه عنه، سواء بزواج، أو بثراء يغنيه عن بقية التركة من المسكن، وهنا تحكم المروءة والحفاظ على المجتمع، مع الحفاظ على الحقوق للوارثين شرعا.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان