الصين بين زعيم خالد وروح لا تموت

اختار الزعيم الروحي للبوذيين، الدالاي لاما الرابع عشر، أثناء احتفاله الأسبوع الماضي وسط أتباعه بعيد ميلاده التسعين، أن يوجه رسالة أخيرة من منفاه بمنطقة دارا مسالا شمالي الهند، أكد فيها أن مؤسسته الدينية ماضية في اختيار خليفة له من بين أبناء التبت، دون الحاجة إلى أي تدخل من الصين في ترسيم الدالاي لاما المنتظر.
بينما كانت بيجين تترقب كلمة الزعيم الروحي بقلق شديد، وتتهمه بأنه “انفصالي خائن”، يواصل الدالاي لاما خطته لإدراكه أن اللحظة الفاصلة في مسيرته الدنيوية تقترب من نهايتها، وعليه أن يختار خليفته، ليضع بيجين أمام أمر واقع.
أراد أن يسد أمام الصين طريق اختيار الخليفة المنتظر لإدارة شؤون الديانة البوذية، التي يعتقد بها نحو 900 مليون نسمة، منهم 600 مليون يعيشون في الصين، والبقية في الهند ودول شرق آسيا ومنغوليا الداخلية ومساحات واسعة في روسيا.
نكأت رسالة الزعيم البوذي الجرح القديم، الذي نشب منذ فراره من التبت عام 1959، عقب انتفاضة شعبية ضد الحكم الصيني الذي سيطر على لاسا -عاصمة منطقة التبت الذاتية الحكم- بالقوة العسكرية، بغرض إنهاء مسيرة الزعيم الروحي، وفرض الوصاية على أتباعه وإدارة شؤونهم من بيجين مباشرة، ومن ثَم اختيار خليفته وفقا لقواعد حكومية، تخالف عقيدة المؤمنين بـ”تناسخ الأرواح” وإحلال روح الزعيم في أحد أتباعه، وفق طقوس دينية معقدة.
66 عاما من الفشل
على مدار 66 عاما، فشل الطرفان في التوصل إلى حل أو الالتقاء في منطقة وسطى. ترغب السلطة المركزية للحزب الشيوعي في معاملة البوذيين كأصحاب الأديان الأخرى الذين تختار ممثليهم بالكنائس والمساجد والمعابد، بينما يَعُد البوذيون الدالاي لاما زعيما روحيا، تتلقى نخبة رهبانهم نبوءة إحلال ظهوره الجديد، عبر إشارات تأتيهم من السماء، ولا سلطة لبشر على اختياره.
تبدي الصين مخاوفها من ازدواجية القيادة، بين زعيم السلطة الحاكمة الممثل للدولة وسلطة الزعماء الدينيين، لأن ترك الأمر للبوذيين لاختيار زعيمهم الروحي بعيدا عن سلطتها، سيشجع أصحاب الأديان الأخرى على الابتعاد عن قبضة حاكم أعاد تشكيل النظام السياسي خلال العقد الماضي، ليصبح الحاكم الفرد والرئيس الخالد، على غرار ما سار عليه قائد الثورة الشيوعية ماو تسي تونغ، الذي فجَّر الحروب الدموية ضد البوذية وأصحاب الأديان الأخرى.
تتجاهل حكومة بيجين مبادرات الزعيم البوذي للتعايش المشترك، وتمسكه بمنح أتباعه حرية العبادة والكرامة الإنسانية في بلد يتسع للجميع، لذا دفع الخلاف المستمر الدالاي لاما إلى أن يصرح بأن خليفته قد يولد في “دولة حرة” خارج الصين، وربما تصبح “امرأة” لأول مرة في تاريخ المؤسسة البوذية التي تهيمن على شؤون أتباعها منذ 600 عام.
أثارت التصريحات الأخيرة غضب كبار المسؤولين في بيجين، وقلقهم من أن يخرج زعيم روحي جديد للتبتيين، بعيدا عن أيديهم، وبين أعدائهم، بغض النظر عن كونه سيعيش داخل الصين أو خارجها.
رسالة إلى الحلفاء العرب
فجّرت التصريحات نقطة اشتباك جديدة بين الصين والتبتيين، ليس فقط لأنها تمس مسألة السيادة، بل لأنها تُظهر مفارقة جوهرية في أدمغة السلطة الحاكمة ذاتها. ففي الوقت الذي يحارب فيه الحزب الشيوعي نفوذ الدالاي لاما وزعامته الروحية الأبدية التي تمنحه شعبية محلية ودولية واسعة، يتمسك في المقابل ببقاء زعيمه شي جين بينغ في السلطة مدى الحياة، الذي يختفي عن الأنظار لفترات طويلة، بما يثير تكهنات بشأن سوء صحته ووجود مشكلات داخل أروقة الحكم.
هذه المفارقة قد تبدو للبعض شأنا صينيا داخليا، لكنها تحمل رسالة مهمة لنا كشعوب تسعى إلى التحالف الاستراتيجي مع الصين، ولمن يهتم بما يحدث بدولة كبرى تسعى إلى أن تكون لاعبا تحكمه التوازنات بين القوميات والعرقيات الدينية، وملتزمة بالقانون الدولي والدبلوماسية في إدارة علاقاتها مع الآخرين، في عالم متعدد الأقطاب، حتى لا نفاجأ بدولة عنصرية، على غرار ما وجدناه في المجتمعات الغربية الاستعمارية الفاشية والصهيونية الجديدة.
لقد استطاع زعيم التبت منذ فراره من التبت إلى الهند أن يقدّم وجها آخر للصين، ظهر فيه زعيما دينيا يروّج للتسامح الديني والديمقراطية، مقابل حكم شيوعي يقدّم نفسه بوصفه حاملا للقيم الاشتراكية ونموذجا بديلا للغرب، لتمتعه بقيادة جماعية تمارس الديمقراطية عبر مؤسسات وطنية واسعة، بينما النظام الاستبدادي الذي يديره لا يختلف عما نراه من أنظمة استعمارية أو قومية فاشية أو صهيونية متغطرسة.
عودة الأب الروحي
حين كسر شي جين بينغ قواعد الحكم الرشيد في الصين الجديدة، التي أقرها الحزب الحاكم، منذ سيره نحو “سياسة الإصلاح والانفتاح” عام 1979، التي أنهت فترة ولاية الزعيم الخالد، ومدَّد فترة ولايته الرئاسية إلى الأبد، بعد عام 2018، وتبنيه نموذج “المرشد الأعلى”، عبر تعديل دستوري، فإن التناقض العميق الذي تتهم به بيجين الدالاي لاما، الساعي إلى تثبيت نفسه وخليفته في سلطة دينية أبدية غير خاضعة لرقابة الدولة، لم يعد في محله.
فقد أظهرت الخلافات بين الطرفين أن ملف خلافة الدالاي لاما يدور في المنفى وبعيدا عن الأغلبية الكاسحة من البوذيين، بسبب سيطرة الدولة الصينية على شؤونهم بالداخل، وخطفها المرشح الأول للقيادة الروحية البوذية “النانشن لاما”، الذي اختير من قبل بدلا من الدالاي لاما الحالي.
اختفى “النانشن لاما” وهو طفل بعد اختياره خليفة بعامين، ولم يظهر حتى الآن.
في المقابل، لم تضع السلطات آلية واضحة لاختيار خلافة للرئيس شي جين بينغ، الذي قاد تغييرات واسعة لهيكلة السلطة السياسية والأمنية، على مدار الأعوام الخمسة الماضية، لإحكام قبضته على الحزب الحاكم والأجهزة العسكرية، بما خلَّف صراعات سياسية عميقة، تهدد قلب النظام الصيني ذاته، وتثير مخاوف بشأن مستقبله.
بعد رحيل الزعيم
أوجد “طغيان عقلية الزعيم الخالد على سلوك دولة الصين دوليا” لدينا مخاوف من قدرة الصين على إدارة ملفات إنسانية كبرى، أو الوساطة في نزاعات دولية، حيث تهدد قياداتها زعامات دينية متنوعة، ومنها من لها امتدادات إقليمية وعربية، وأخرى لها علاقات متينة مع الدول الكبرى، مثل البوذيين، حيث يعيش أنصار الدالاي لاما والمؤمنون به.
فمن جهة تعلن الصين احترامها لسيادة الدول وحقوق الأقليات، بينما تتدخل بشكل فج في شؤون التبت الدينية، كما تضطهد المسلمين والمسيحيين وكثيرا من الأقليات العرقية.
وبينما تتحدث عن عالم متعدد الأقطاب، تُقِر نموذج حكم فردي مطلق، أبعد ما يكون عن الحداثة، وأقرب إلى الأنظمة العسكرية الفاشية، التي تقلد نموذجها القابض على السلطة بيد من حديد، وتوظف قدراتها التكنولوجية في فرض رقابة صارمة على الجميع.
سيأتي اليوم الذي يرحل فيه الدالاي لاما، وقد يكون قريبا، وبالتأكيد سيؤول المصير ذاته على الرئيس شي جين بينغ (72 عاما)، حينها ستضطر الصين إلى حسم خياراتها بوضوح: إما أن تتيح تداول القيادة داخل الحزب ومؤسسات الدولة عبر نظام منفتح، أو تستمر في نظامها المغلق المتعارض مع تطلعات الشعب والرأي العام العالمي، الذي يأمل منها الكثير.
لم يعد الأمر قاصرا على قدرة بيجين على إخماد صوت البوذيين في التبت، أو أصوات المعارضين في الداخل أو الخارج، بل على الطريقة التي تدير بها الصين شؤون مواطنيها والسلطة والاستثمارات والشراكات الاستراتيجية، وتقديمها نموذجًا خاصا لتداول السلطة، يحفظ للبلاد وحدتها واستقرارها، تختفي فيه ظاهرة الزعيم الخالد الذي يخشى ظهور خلفاء له، أو يعادي زعيما منفيا تقترب حياته من نهايتها.
