شهاب.. سائق “التوك توك” مذنب أم ضحية السرد الناقص للكاميرا؟

انشغل الشارع المصري بمقطع فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي، يظهر فيه فتى (15 عاما) على أعتاب سن المراهقة. بدا غاضبا، وعرَّف نفسه في المقطع بأنه “شهاب من عند الجمعية” بالدويقة، وهي منطقة عشوائية في القاهرة. يعمل سائقا لمركبة “توك توك”، وظهر في الفيديو بجوار مركبته متحديا قائد سيارة “بي إم دبليو” فاخرة، كان يقوم بتصويره.
اتهمه الأخير بالاصطدام بسيارته، والتعدي عليه بالسب والقذف، وتهديده بمفك (أداة حادة لمعالجة أعطال المركبات). أطلق شهاب من فمه صوتا يُشبه الشخير، يُعرف في مصر بـ”حركة إسكندراني”، وتُستخدم للاستخفاف بالطرف الآخر.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
قائد السيارة نشر الفيديو، وسرعان ما انتشر كالنار في الهشيم، محققا ملايين المشاهدات.
7 ملايين مشاهدة.. وأسرة تفترش الأرض
سارعت وزارة الداخلية بإلقاء القبض على الفتى، وأصدرت بيانا بملخص الواقعة، مرفقا بـ”فيديو غراف” تجاوز 7 ملايين مشاهدة خلال 24 ساعة. أحيل إلى النيابة العامة التي باشرت التحقيق، وأقر أمامها بأن قائد السيارة استفزه، نافيا تعمده التعدي عليه أو إصابته.
أمرت النيابة بحجزه على ذمة التحريات، وعرضه على الطب الشرعي لبيان ما إذا كان متعاطيا للمخدرات.
بثت صحيفة إلكترونية محلية مقطعا يُظهر منزله، حيث يعيش مع والدته وأسرته في غرفة وصالة بالإيجار، في ظروف شديدة البؤس.
الجيران شهدوا له بالطيبة وحُسن الخلق، مؤكدين أنه لا يشرب الشاي ولا يدخن، ويكافح للإنفاق على والدته وإخوته لأنه عائلهم الوحيد.
البادي أظلم.. أيهما البلطجي والملاك؟
في ظل تطور وسائل التواصل وسرعة التفاعل معها، يمكن لمقطع فيديو قصير -كما في حالة شهاب- أن يوجّه الرأي العام في الاتجاه المطلوب.
الإنسان أصبح “لقطة”، أو مشهدا ثواني معدودة يُقتطع من سياقه، فيثير التعاطف أو السخط.
ما المبرر لثقة الجمهور بأن هذا المقطع يوثق الواقعة كاملة؟
ما الذي يمنع خضوعه للمونتاج وتعديل مضمونه؟ لماذا لا يكون قد عرض عمدا لحظة غضب الشاب فقط، دون مشاهد الاستفزاز؟
كيف نحكم على “رد الفعل” دون معرفة “الفعل” نفسه؟
هل من المنطقي أن شهاب يبادر بالهجوم على طريق مهم مثل الأوتوستراد ضد شخص يقود سيارة فاخرة دالة على الثراء؟
نعم، الثراء أقوى نفوذا من المكانة الاجتماعية، كما في المثل الشعبي “الجنيه غلب الكارنيه”.
نبرة التحدي.. دفاع عن النفس أم بلطجة؟
لماذا افترض الملايين أن شهاب بلطجي فقط لأنه سائق “توك توك”؟
هل البلطجي يشقى ويعمل أم يفرض الإتاوات؟
كلمات شهاب “أنا شهاب من عند الجمعية” قد تُفهم بأنها رد عفوي على تهديد مثل “أنت مش عارف أنا مين؟”، لذا أنهى كلامه صارخا “ما يهمنيش”.
هل من الضروري أن يكون قائد السيارة مؤدبا لمجرد أنه يركب سيارة فاخرة؟
هناك بلطجية في منتهى الشياكة، يمتلكون سيارات وشركات ويظهرون على الشاشات.
لا نقول إن قائد الـ”بي إم دبليو” بلطجي، لكنه ليس بالضرورة ملاكا.
أسئلة كثيرة يجب طرحها مع مثل هذه المقاطع، التي قد تظلم بريئا دون دليل، فتدمر حياته بلا ذنب.
ولهذا أمرت النيابة العامة باستدعاء مصور “الفيديو”، وطلبت التحريات الكاملة للوصول إلى حقيقة ما جرى.
رواد المنصات.. قضاة وجلادون!
من أسوأ مساوئ وسائل التواصل أن جمهورا عريضا منها يسير مع “الترند”، دون تفكير أو تحقق.
كل شخص صار يمتلك منصة إعلامية يدوّن فيها ما يشاء، ويصدر الأحكام كما يشاء.
وفي ظل هذا التأثير المتزايد، فإن مَن يسوقه حظه ليكون “تريندا” دون تعاطف، يُدان ويُجلد حتى لو كان ضحية.
الرواد صاروا “قضاة”، يصدرون أحكاما نهائية بلا دفاع أو تحقيق.
ولا يكتفون بالإدانة، بل يمارسون التنمر والسباب، ويتهمون الضحية بسوء الأخلاق، بينما تعليقاتهم مليئة بالقذف والشتائم.
كل ذلك كافٍ ليوقعهم تحت طائلة القانون، لو كانوا يعلمون.
أخشى أن يكون المشهد العدواني الذي ظهر فيه شهاب مختزلا من سياقه، يخفي استفزازا وتنمرا خلف الكاميرا. فعلينا الحيطة وعدم الاندفاع في إصدار الأحكام حتى تتضح الحقيقة كاملة، ويُفرَّق بين الجاني والمجني عليه.
