المفارقة السورية: حين يتحول النقد إلى أداة انتقام

إنّ قول نصف الحقيقة كذب، حين يصبح النقد مزاجيًّا وانتقامًا..
يُعدّ المشهد السوري، منذ بداياته وحتى اليوم، اختبارًا قاسيًا لضمير النخبة السورية، وللوعي العام، ولقدرة الناس على التمييز بين الموقف والمزاج، وبين الرؤية والمصلحة. ومع مرور السنوات، تآكلت المعايير، وتضخّمت الأحكام، واتّسعت فجوة التناقض بين القول والفعل، بين ما يُدان في طرف ويُغتفر في آخر، رغم تماثل الجُرم أو تفوّقه.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
صار النقد في هذا السياق أشبه بسلطة بلا مسؤولية، يمارسها من يشاء، على من يشاء، في الوقت الذي يشاء. لا ضابط يقيّده سوى الهوى، ولا ميزان يحدّه إلا المزاج. ومن هنا انبثقت واحدة من أعمق أزمات الفهم: انتقائية النقد، التي لا تنطلق من معيار موحّد، بل من ازدواجية معيارية تلبّست لبوس الشجاعة، بينما هي في جوهرها صورة مقلوبة من الجُبن، أو من التورّط في مواقف مسبقة.
ثمة من انتقد الفوضى في الشوارع، وتحدّث مطوّلًا عن أخطاء الثوّار، عن العسكرة، عن غياب القيادة، عن الشعارات المرتبكة، ولكنه لم يفتح فمه بكلمة واحدة عن الذين أوصلوا البلاد إلى هذا الانفجار.
وثمة من ندب خراب الثورة، ولم ينبس ببنت شفة عن خراب النظام الذي مكّن لكل هذا.
وهناك من صبّ لعناته على الفصائل المتناحرة، وهو ذاته من امتدح ميليشيات بعينها، لأنها تتقاطع مع ولائه الجغرافي أو الطائفي. وثمّة من تحدّث عن الشعب، ولكنه لم يكن مع الشعب.
تحدّث عن الدين، ولكنه لم يكن أمينًا في الحديث عنه.
تحدّث عن الحرية، لكنه غطّى عينيه حين رأى من صادرها من داخل صفوف الثوّار أنفسهم.
إنّ قول نصف الحقيقة كذب..
النخبة التي غادرت البلاد
أما المفارقة الأشد مرارة، فهي ما يظهر عند مراجعة مواقف النخبة التي غادرت البلاد مبكرًا، واختارت لنفسها مقاعد بعيدة عن الخراب، في عواصم عربية أو تركية أو أوروبية.
هذه النخبة ما فتئت تكتب وتنتقد وتُنظّر، دون أن تُسائل نفسها عن مسؤوليتها الخاصة عمّا جرى. بعضهم لم يشارك أصلًا، وبعضهم شارك ثم تراجع، وبعضهم واصل حديثه كأنه لا يزال في مركز القيادة، رغم أنه لا يرى سوى من خلف الزجاج العازل.
وليس المقصود هنا تثريب الخارجين، ولا تثمين الباقين، بل الإشارة إلى حالة عامة من اختلال التوازن في النظر، حين نعامل الآخر كمن يجب أن يُحاسَب على كل هفوة، ونعامل الذات كمن لا ينبغي أن يُساءَل أصلًا.
هنا، تحديدًا، يتجلّى الخلل الأخلاقي والسياسي في العقل السوري: أن تُصنّف الناس لا بحسب أفعالهم، بل بحسب قربهم أو بُعدهم من موقفك. فإن وافقوك، فهم أبناء القضية، وإن خالفوك، فهم مرتزقة أو جهلة أو من بقايا الأجهزة.
في سياق كهذا، يصبح النقد سلاحًا لا يُشهَر إلا في وجه الخصوم، لا في وجه الأخطاء. يصبح أداة تعبئة، لا وسيلة مراجعة. ويُختزل الصراع إلى مباريات كلامية في ساحات التواصل الاجتماعي، بينما الواقع يتآكل، والمعاناة تتضاعف، ولا أحد يقف ليسائل نفسه:
هل ما أفعله يزيد الطين بلّة؟
هل أُسهِم في إيضاح الصورة أم في تعكيرها؟
هل أنا صاحب رؤية، أم مجرّد صدى لاصطفاف؟
الفصائل التي شوهت صورة الثورة
وفي غمرة هذه الفوضى، تغيب أولويات النقد، وتضيع الجهات المستحقّة للنقاش الجاد.
فالفصائل المتطاحنة، التي شوّهت صورة الثورة وحوّلتها إلى كانتونات أمنية صغيرة، تمرّ أحيانًا من دون مساءلة، لأن بعض النقّاد يرون فيها ضرورة أمر واقع، أو لأنها تتبع مرجعية معيّنة يحرص الناقد على إرضائها.
في الوقت ذاته، تُصوَّر بعض المجموعات المدنية أو الشخصيات الرمزية على أنها أصل البلاء، لا لشيء، إلا لأنها تبنّت موقفًا غير رائج في مرحلة ما، أو حاولت الحفاظ على اتزانها وسط دوامة الجنون.
ويزداد المشهد التباسًا حين تُطوى أخطاء الماضي بلا مساءلة، ويُعاد تدوير المسؤولين عنها في مواقع جديدة، تحت لافتات مختلفة. ثم يُطلَب من الشعب أن يُصدّق الرواية كما تُراد له، لا كما عايشها بدمه ووجدانه وخساراته.
موضع النقد السليم هو حيث يُضبط الفعل بميزانه، لا حيث تُجتزأ الأفعال من سياقها، هو حيث يُطلب لإقامة العدل، لا لإرضاء المزاج، هو حيث تُراجَع الخيارات بحكمة، لا حيث تُعدّ القوائم السوداء تحت عناوين طهرانية أو ثورية زائفة.
إن النقد لا يُطلب لذاته، بل لقدرته على تصحيح المسار. ولكي ينجح في ذلك، عليه أن يتجرّد من الولاءات المسبقة، وأن يصدر عن وعي مشترك بالعدالة لا يتغيّر بتغيّر المواقع.
فمن أراد أن يُسائل فصائل الفوضى، فليكن على استعداد أيضًا لسؤال من حرّضها، أو موّلها، أو سكت عن تجاوزاتها.
ومن أراد محاسبة من انسحب من المعركة، فليُحسن الإنصاف لمن اختار ألا يشارك في حرب عبثية.
ومن أراد فضح الاستبداد، فليتّسع نقده ليشمل كل من استبدّ بالرأي أو السلاح أو القرار.
العدل في النقد لا يعني المساواة الشكلية بين الجميع، بل يعني أن تُوزَن الأفعال بمعايير ثابتة، لا تتغير بتغير القرب أو البعد.
وهو ما يغيب -للأسف- عن كثير من الطروحات الرائجة، التي تُكثر من الشعارات وتُقلّ من الأسئلة الجادّة.
وقد يكون من المفيد، في هذا المقام، التذكير بأنّ أي مشروع تغييري لا يقوم على مساءلة الذات أولًا، ينتهي إلى صورة أخرى من القهر.
والتجارب في العقدين الأخيرين مليئة بالدروس لمن أراد أن يعتبر:
معارضاتٌ تمارس -باسم الحرية- أشكالًا من الطغيان، ومعسكراتٌ -باسم الكرامة- لا تعرف معنى الكرامة حتى في أدبياتها.
منطق الكراهية
لا يمكن للسوريين أن يخطّوا مستقبلهم السياسي وهم محكومون بمنطق الكراهية والتشفّي والاصطفاف.
ولا يمكن لأي خطاب معارض أن يكون له اعتبار ما لم يبدأ بمراجعة شاملة، تتسع لكل الفئات التي أخطأت، وتُقيم ميزان العدل في الحكم.
أما استمرار الانتقائية، فهو ليس خللًا عابرًا، بل تهديد حقيقي لفكرة الوطن المشترك، لأن الانتقائية تُحوّل الاختلاف إلى شبهة، والنقد إلى إدانة، والموقف إلى اصطفاف. وحين تضيع الحدود بين الحق والباطل لصالح مَن معك ومَن ضدك، فلن يكون هناك وطن، بل ساحات متقابلة، تتبادل النيران والأوصاف، وتتناسى أن الهدف الأسمى لكل نضال هو البناء لا الهدم، والتقويم لا الشتم.
وهنا، فإن اللحظة تفرض سؤالًا أكثر عمقًا: هل نريد أن نكون شركاء في بناء ذاكرة جماعية تُنقّي التجربة وتُصلحها، أم نريد أن نخلّد هذه اللحظة من الفوضى ونبني عليها سرديّاتنا المريضة؟
لن نقف على أقدامنا، ولن نصنع أقدارنا، ونحن نعيش المزاجية والظلم المستور بشعارات وصاية ودعاوى نبيلة، ولا تلوموا عدوكم الخارجي قبل أن تُحصّنوا جبهتكم الداخلية.
رحم الله الصادق النيهوم الذي كان يقول “إنّ وجود العدو في المنطقة ليس مجرد صدفة، إنه مثل وجود الأعشاب البرية في المزرعة المهملة؛ عملٌ طبيعي يحدث في العالم بصورة تلقائية. ومزرعة الفكر المهملة في الشرق لا بدّ أن تغزوها الطحالب والأعداء”.
إنّ المسؤولية التي تقع على المثقف، وعلى الناقد، وعلى كل من يتصدر الكلام العام، هي أن يتحرّر من سطوة الموقف، ومن غواية الجمهور، ومن راحة الاتهام. فالكلمة التي تُكتب تُصنَع بها اقتناعات، وتُبنى بها خيارات، وإذا لم تكن صادقة، عادلة، متجرّدة، فهي ليست إلا سهمًا آخر في جسد وطنٍ منهك.
