غزة بين التهجير ونزع السلاح: ماذا وراء مفاوضات الهدنة؟

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، لا تزال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة مستمرة، وقد تجاوزت عشرين شهرًا دون أفق واضح للحل أو التهدئة.
ورغم تكرار الإعلان عن مفاوضات لوقف إطلاق النار، يواصل الاحتلال الإسرائيلي عملياته العسكرية بهدف فرض واقع ميداني بقوة السلاح والحصار والتطهير السكاني.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
خلف هذه المفاوضات يقف مشروع سياسي وأمني إسرائيلي، تؤكده التصريحات الرسمية والمقترحات العلنية للمسؤولين، لا يقف فقط عند حدود القضاء على المقاومة ونزع سلاحها، بل يتجاوزها إلى تفكيك البنية السكانية لقطاع غزة وإعادة تشكيله ديموغرافيًّا وجغرافيًّا، من خلال السيطرة على أجزاء كبيرة من القطاع وتهجير مئات الآلاف ومنعهم من العودة إلى بيوتهم.
في المقابل، تمثّل المقاومة الفلسطينية العقبة الرئيسية أمام هذا المخطط، الذي تدعمه ضمنيًّا الولايات المتحدة، التي توظف الموقف سياسيًّا، كما فعلت إدارة ترامب سابقًا.
في يوليو/تموز الجاري، تم استئناف مفاوضات وقف إطلاق النار برعاية أمريكية وقطرية ومصرية. وفي 11 يوليو، أُعلن عن تعثّر المفاوضات نتيجة التعنّت الإسرائيلي وطرحه خريطة تتضمن السيطرة العسكرية على 40% من قطاع غزة.
الطرح، الذي يشمل مناطق استراتيجية بجنوب وشرق القطاع (منها رفح والطريق المحوري)، يمنع ما يقرب من 700 ألف فلسطيني من العودة إلى بيوتهم، بذريعة “الظروف الأمنية”، وهو ما يمهد لمشروع تهجير قسري مقنّع.
الخطة لا تشمل أي انسحاب كامل، بل تمنح جيش الاحتلال “حق تنفيذ عمليات أمنية مستقبلية”، مما يعني تثبيت الاحتلال وشرعنته. ولذلك، ترفض المقاومة الفلسطينية أي اتفاق لا يتضمن وقفًا شاملًا للحرب، وانسحابًا كاملًا، ورفعًا للحصار، وضمانًا لعودة السكان.
المشروع الكبير: غزة بلا سكان
بعد أكثر من عشرين شهرًا من الحرب، تحوّلت الأهداف الإسرائيلية المُعلنة رأسًا على عقب. فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه باستعادة الرهائن أو القضاء على حماس، وبدلًا من ذلك، بات يسعى لاحتلال طويل الأمد وتهجير واسع النطاق.
منذ خرق الاحتلال للهدنة القصيرة في مارس/آذار 2025، توسعت سيطرته الميدانية، وأقام مناطق عازلة وطرقًا عسكرية، وحوّل المدارس والمرافق إلى نقاط أمنية، مع منع إدخال البيوت المتنقلة ومواد البناء، وفرض حصار كامل امتد لعشرة أسابيع.
في 22 مايو/أيار الماضي، صرّح نتنياهو بأن “الهدف لم يعد فقط استعادة الرهائن أو القضاء على حماس، بل السيطرة الأمنية الكاملة على غزة”. كما رحّب بخطة ترامب لتهجير السكان.
وقد أُنشئ بالفعل مكتب إسرائيلي رسمي للهجرة “الطوعية”، مع تسريبات عن ترحيل سكان غزة إلى السودان، أو تشاد، أو سيناء. وهو سيناريو يشبه نكبة 1948، لكن بآليات أكثر تدرّجًا ودبلوماسية ناعمة.
ورغم أن واشنطن تملك القدرة على الضغط، فإنها لم تظهر بعد أي إرادة حقيقية لوقف هذا المسار، الذي قد يُشعل المنطقة بأسرها.
خطاب نتنياهو: الهدنة ليست نهاية الحرب
في لقائه الأخير مع ترامب، أكد نتنياهو أن إسرائيل “لن تنسحب كليًّا من غزة”، وقال: “لن نسمح بعودة حماس، ولن نسمح بأي تهديد أمني، والهدنة ليست نهاية الحرب بل فترة لإعادة التموضع”.
هذه التصريحات تعكس نية واضحة لتكريس احتلال دائم دون إعلان، بذريعة “العمليات الأمنية”، وهي صيغة مكررة للتوسع الاستيطاني في الضفة.
ما يدفع إسرائيل للتفاوض ليس رغبة في السلام، بل فشل الحسم العسكري، وصمود المقاومة.
فرغم الفارق الهائل في الإمكانيات، احتفظت فصائل المقاومة بقدراتها في شمال ووسط القطاع، وكبّدت الاحتلال خسائر بشرية وعملياتية، إضافة إلى احتفاظها بالأسرى، وفشل إسرائيل في فرض “نموذج اليوم التالي”.
إن صمود المقاومة، لا الوساطة الدولية، هو ما أجبر إسرائيل على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
خطر نزع سلاح المقاومة
نزع سلاح المقاومة مطلب أمريكي إسرائيلي أساسي. تضغط واشنطن على دول عربية لدعمه، رغم خطورته الكارثية.
فهو يعني تحويل غزة إلى كيان منزوع السيادة، خاضع للرقابة العسكرية، مع تسهيل أي عدوان مستقبلي دون ردع. كما يُنهي أي إمكانية لمقاومة سياسية أو قانونية ضد التهجير والاستيطان، ويُجهز على جوهر القضية الفلسطينية.
المطلوب ليس مجرد هدنة، بل وقف الاحتلال. فالمفاوضات التي تُبنى على نزع سلاح المقاومة، ومنع عودة السكان، هي استمرار لمشروع الإبادة.
تبقى المقاومة الفلسطينية الضامن الوحيد لعدم تفريغ القطاع من أهله، ولا يمكن الحديث عن “سلام دائم” ما دام الاحتلال قائمًا، والسكان نازحين، والمقاومة مستهدفة.
ربما تؤدي المفاوضات إلى هدوء ما، لكن دون معالجة جوهر القضية، لن يكون هناك سلام، بل هدوء خادع على فوهة بركان.
