غزة تمنح اليسار قبلة الحياة في بريطانيا

السياسة لا تعرف الفراغ، فإذا لم تنتهز القوى السياسية اللحظة المناسبة لتقديم نفسها بديلا أمام الجماهير، فستنتهزها قوى أخرى قد تكون يمينية عنصرية ومتطرفة، أو أجهزة الدولة العميقة.
رأينا ذلك، أمس، في صعود نجم الاشتراكي المسلم زهران ممداني في نيويورك، وقبلها في فرنسا، بعد أن جاءت الجبهة الشعبية اليسارية في المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
واليوم، وقبل ستة أشهر من الانتخابات البرلمانية، يبادر زعيم حزب العمال السابق، جيريمي كوربين، بطرح بديل سياسي جديد، مستفيدا من الحراك الجماهيري الضخم المؤيد لغزة، ومن خيانات حزب العمال لقاعدته الشعبية.
نظام سياسي متداعٍ
في خطوة تمثل إعادة تشكيل للمشهد السياسي البريطاني، أعلن كوربين والنائبة البرلمانية المخضرمة زارا سلطانة تأسيس حزب سياسي يساري جديد، يسعى -بحسب وصفهما- إلى تقديم “بديل حقيقي لنظام سياسي متداعٍ” في بريطانيا.
وقد سجَّل السياسيان مواقف داعمة لفلسطين، وكررا دعوات وقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.
وقالت سلطانة، في بيان استقالتها من حزب العمال، الذي انخرطت فيه قبل 14 عاما “وستمنستر محطَّمة، لكن الأزمة الحقيقية أعمق من ذلك، 50 عائلة فقط تملك ثروة تفوق ما يمتلكه نصف سكان المملكة المتحدة مجتمعين”.
وزادت “هذه الحكومة متواطئة في إبادة جماعية، وفي عام 2029، سيكون الخيار واضحا: الاشتراكية أو الهمجية”.
كوربين أدان من جهته “فشل” حكومة حزب العمال في إحداث التغيير “المتوقع والمستحق” الذي وعدت به في انتخابات 2024، فـ”الجوع والحرب وعدم المساواة ليست أقدارا، والمملكة المتحدة تحتاج إلى تغيير اتجاهها اليوم”.
قصة خصومة كوربين و”العمال” تمتد على مدار أعوام طويلة، لكن ملخصها أنه استُبعد قبل نحو عامين من الحزب اليساري لأنه أكثر يسارية “مما يجب”، فاتُّهم بمعاداة السامية، وانتهت لجنة تحقيق داخلية إلى ضرورة تهميشه ومحاصرة مؤيديه في الحزب.
رفض زعيم “العمال” الحالي، رئيس الوزراء كير ستارمر، ترشيح كوربين على قوائم الحزب في الانتخابات العامة الماضية، لكن إرث كوربين في منطقة مثلها لعقود ساعده على العودة إلى البرلمان مستقلا، وهنا ظن الجميع أن الخصومة انتهت، ولكنها في الحقيقة بدأت.
نحو الفاشية
جاء الإعلان عن بدء تأسيس الحزب الجديد وسط تصاعد التوترات السياسية في بريطانيا، خصوصا بعد اعتقال 27 ناشطا -بينهم قس وأستاذ جامعي وأطباء- خلال مظاهرة سلمية أمام البرلمان، احتجاجا على العدوان الإسرائيلي على غزة والدعم البريطاني للاحتلال.
فلا يبدو أن التحذيرات التي أطلقتها الأصوات الحقوقية والسياسية بشأن خطورة تصنيف حركة “العمل من أجل فلسطين” قد وجدت صدى كافيا داخل مجلس العموم البريطاني، الذي صوَّت أغلبية نوابه لصالح قرار حظر الحركة وإدراجها على قوائم الإرهاب.
وعلَّقت سلطانة على الحدث، قائلة في تغريدة “هذه هي الطريقة التي نسير بها ونحن نيام نحو الفاشية”.
وهي تطورات تتزامن مع صعود شعبية حزب نايجل فاراج اليميني المتطرف “إصلاح المملكة المتحدة”.
المزاج العام يتغير
ولكنَّ تحليلا نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” يفيد بأن المزاج العام في البلاد يشهد تحوُّلا، خصوصا بين فئات الشباب، بسبب قضايا تتعلق بالعدالة الاجتماعية وتغير المناخ وسياسات التقشف.
ويُظهر استطلاع رأي جديد مدى شعبية البديل اليساري في صناديق الاقتراع، مشيرا إلى أن حزبا يساريا بقيادة كوربين سيفوز بنسبة 10% من الأصوات.
ويشير إلى أن الحزب الجديد سيفوز بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما بنسبة 32% من الأصوات، وهذا يؤكد وجود أساس قوي لبديل اشتراكي لحزب العمال، الذي يغرق في أزمة أعمق.
ويمنحنا هذا مصداقية عندما نقول “لا تصوتوا لحزب الإصلاح البريطاني، إنه حزب عنصري. صوتوا للبديل اليساري الذي يقدم حلولا اشتراكية للأزمة، فالرأسمالية تدفعنا إلى الفناء”.
وبحسب صحيفة “الغارديان”، أعربت الشخصيات البارزة في الاجتماع التأسيسي عن أملها في أن يصبح الحزب بمثابة منصة لقادة المستقبل.
أولوية النضال الجماهيري
لكن صعود اليسار الراديكالي إلى سدة الحكم في أوروبا ليس جديدا، ومن ثَم لا بد من الاستفادة من دروس الماضي.
فلسنا بحاجة إلى تكرار وعود وخيانة الائتلاف التقدمي “سيريزا” في اليونان، أو ائتلاف “بوديموس” اليساري في إسبانيا، أو حتى حزب العمال في بريطانيا.
أعطت هذه التشكيلات الأولوية للفوز في الانتخابات على النضال وسط الجماهير، وعندما وصلت إلى السلطة، رضخت لأصحاب الأعمال والمصرفيين، وتوجهت نحو اليمين، وفشلت.
وفي هذا السياق، يقول كوربين “البرلمان ليس بديلا للنضال الجماهيري، بل بالعكس، التغيير يأتي من ضغط الجماهير من خارج البرلمان”.
ويتساءل “هل كان من الممكن أن يفوز خمسة مستقلين في البرلمان لولا الحركة العظيمة التي قادها ملايين البريطانيين من أجل فلسطين؟ هذه الحركات هي أساس أي تقدم انتخابي، ولا بد من تعزيزها”.
ويضيف “يجب أن يكون اليسار المناضل ملاذا لمن قاوموا تخفيضات الإعانات، وساروا من أجل فلسطين، وصدّوا المذابح العنصرية، وتدفقوا إلى الشوارع دعما للمتحولين جنسيا. يجب أن يكون في صفوف الاعتصامات، وأن يقف مع كل عامل يواجه الاستغلال والقمع”.
سحر غزة
وفي عالم اليوم، الذي يعاني أزمة اقتصادية دائمة، صعدت حركات يمينية شعبوية متطرفة في غالبية البلدان الرأسمالية الغربية. بدأت تلك الحركات في استثمار الغضب الجماهيري لعقدين من الليبرالية الجديدة والعولمة.
كان هناك أيضا صعود لليسار، وإن لم يكن بالنجاح الجماهيري نفسه لليمين الشعبوي.
لكن لا ينبغي الاستهانة بالتحول السياسي الذي أحدثته حرب غزة عالميا، فقد جذبت حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني والمقاومة مئات الآلاف من الشباب في مختلف أنحاء العالم، خاصة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة.
حركات التضامن هذه يؤدي فيها اليسار الراديكالي والثوري دورا محوريا في القيادة والتعبئة وبلورة المواقف.
ولم يرَ اليسار العالمي مثل هذه الحركة منذ حرب فيتنام، حتى حركات مناهضة الحرب في العراق عام 2003 لم تدم سوى شهور، ولم تشهد درجة الاستمرارية والراديكالية التي تتميز بها حركة التضامن مع فلسطين اليوم.
وقد تحولت إسرائيل إلى “عدو” للشعوب، كما كان حال جنوب إفريقيا في ثمانينيات القرن الماضي.
وحتى عندما تنتهي حرب غزة، ستظل القضية الفلسطينية والعلم الفلسطيني إحدى ركائز اليسار عالميا لسنوات، إن لم تكن لعقود قادمة.
اليسار العربي
بالتأكيد، المنطقة العربية التي تشهد حرب إبادة واستعمارا واستبدادا واستغلالا مكثفا، لن تكون بعيدة عن هذه التحولات السياسية الكبرى.
تحولات تضع مجددا مشروعات سياسية على محك التجربة، فرأينا عودة الإسلام السياسي إلى الحكم في سوريا، في طبعة متماهية وبدرجة كبيرة مع مصالح الإمبريالية الأمريكية، الداعم الرئيسي لدولة الاحتلال التي تبيد الشعب الفلسطيني وتتمدد داخل الأراضي السورية، ومتبنية لنهج السوق الحرة والخصخصة، رغم آثاره الكارثية على القطاعات الشعبية.
ومن المرجح أن تشهد مصر، بفعل عوامل داخلية وخارجية، صعودا صعبا وبطيئا للحركة الجماهيرية المناضلة لاستعادة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
وهذا الصعود المتوقع، سيحتاج بدوره إلى قوى سياسية تطرح مشروعا للتغيير، يلبي بالأساس احتياجات نحو 60% من السكان يعيشون تحت خط الفقر.
فهل يستطيع اليسار المناضل، “المُصطف” فقط وراء المقاومة والجماهير الشعبية، أن يوحّد جهوده ويتقدم لملء هذا الفراغ، مع انتقاد أخطاء الماضي التي أدت دورا في تمكين الثورة المضادة؟
