مفهوم العمى الكولونيالي: لماذا لا يعترفون بحقنا في الحياة؟!!

رواية "الغريب" لألبير كامو (منصات التواصل)

لكي نتمكن من بناء نهضة أدبية عربية، يجب أن نطور حركة نقدية للأدب الغربي تسهم في اكتشاف كيف ينظر الغرب إلينا، وكيف يتم تصوير العرب في الفكر الغربي؛ فذلك يزيد وعينا بحقائق الصراع الممتد في الزمان والمكان.

إن معرفة الحقيقة تسهم في زيادة قدرتنا على بناء المستقبل الذي يقوم على الانتصار في معركة الوعي، ونقد الأدب الغربي يوفر لأمتنا المعرفة التي تسهم في مرحلة جديدة من الكفاح.

مفهوم العمى الكولونيالي


يُعتبر هذا المفهوم أهم ما أوضحته دراسات ما بعد الاستعمار؛ ويشير إلى رفض الكُتّاب والمثقفين الاستعماريين النظر إلى العرب كبشر، وقيامهم بنزع صفة الإنسانية عنهم، وتجاهل ما قام به الاستعمار من مذابح وإبادة وظلم وقهر ونهب لثروات الشعوب.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

ويصف هذا المفهوم عملية الاحتقار الغربي للعرب، والاستكبار عليهم، وتجاهل المآسي التي سبّبها لهم الاستعمار، وترسيخ الصور النمطية المشوّهة التي تبرر قتلهم والعدوان عليهم، وتم ترسيخ هذه الصور في أذهان الشعوب الغربية؛ حيث يتم استخدامها وسيلة لشرعنة العدوان.

وحالة العمى الكولونيالي يمكن أن نشاهدها بوضوح في تغطية وسائل الإعلام الغربية للأحداث في العالم العربي؛ فليس من حق العربي أن يقاوم العدوان، أو يتمتع بالحرية والديمقراطية والاستقلال.. وعليه أن يخضع للاستعمار ويسلم سلاحه ويموت دون أن يصرخ.

لا صوت للعربي في الرواية


العمى الكولونيالي يدفع الغرب إلى التعاطف مع الجلاد وتمجيده، وعدم التعاطف مع الضحايا، ولذلك ينظر الكثير من الكتاب الغربيين إلى العالم العربي كمجرد أرض بلا شعب، وتم التركيز على الجغرافيا وما تحويه من كنوز، وما فيها من سحر وغرابة. وفي حالة تصوير الشعوب، يتم التركيز على تقديمها في أطر تخدم الرؤية الاستعمارية؛ فالناس في تلك البلاد الجميلة يتم وصفهم بأنهم إرهابيون ومتوحشون ويتميزون بالكسل، ولا يستحقون أن يكونوا أبطالًا في الرواية، فالبطل هو المستعمر الغربي الذي يعمل على تمدينهم، ولذلك يتم حرمانهم من رواية قصتهم والدفاع عن أنفسهم.

وبذلك يصبح الاستعمار أمرًا مقبولًا، ولذلك ظل الأدب الفرنسي يتعامل مع الجزائر على أنها بيئة جغرافية جميلة خالية من الشعب، ولم يقدم للشعوب الغربية فرصة لفهم الإنسان العربي والحضارة التي بناها.

يعتبر إدوارد سعيد أن ذلك يشكل خللًا في الثقافة الغربية، التي تجاهلت وجود الشعوب التي احتل الغرب بلادها، أما فرانز فانون فيرى أن الغرب يرفض رؤية الآخر إلا عبر مرآته الخاصة.

تحرير الغرب من العمى!


يفرض علينا ذلك أن نبدأ مرحلة كفاح جديدة بتطوير مقاربة نقدية للأدب الاستعماري، وتعريف الشعوب الغربية بالخديعة التي تعرضت لها بهدف تجهيلها، ودفعها لتأييد الظلم والإبادة والجرائم ضد الإنسانية، ونقل صوت الشعوب العربية التي تعرضت للظلم الاستعماري، والتي كان نفيها من السردية العالمية من أخطر أشكال هذا الظلم.

لكن هل يشكل العمى الكولونيالي ظلمًا للشعوب الغربية نفسها؟! إن الحرمان من المعرفة ظلم، ولقد عملت القوى الاستعمارية على تجهيل الشعوب الغربية وطمس بصيرتها؛ ليسهل التحكم فيها ونزع إنسانيتها، ودفعها إلى تأييد الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها الجيوش الغربية، لذلك فإنها يجب أن تستمع إلى صوت الشعوب المظلومة.

غريب كامو نموذجًا!


سأركز هنا على نموذج واحد فقط هو رواية “الغريب” لألبير كامو، وهو أحد أهم أدباء فرنسا، وحصل على جائزة نوبل للآداب عام 1957، ويرتبط اسمه بالفلسفة الوجودية، ولذلك يبالغ العلمانيون العرب في تمجيده.

لكن ذلك الأديب الذي وُلد في الجزائر، وعاش فيها فترة طويلة من عمره، كان مصابًا بالعمى الكولونيالي والتحيز لفرنسا؛ لذلك كان يؤيد استمرار الاستعمار الفرنسي، ويرفض استقلال الجزائر، وبرر ذلك بقوله: “بين العدالة وأمي أختار أمي”.

وهذا يعني أنه يسير على نهج الغرب في النفاق واستخدام المعايير المزدوجة والتحيز لفرنسا على حساب العدالة، وأنه يرتبط عاطفيًّا بالاستعمار الغربي كارتباطه بأمه، وهذا يوضح حالة العمى الكولونيالي.

لا أهمية لقتل العربي!!


وتُعتبر رواية “الغريب” من أشهر رواياته التي نشرها عام 1942، ويحدثنا فيها عن رجل فرنسي، يواجه مجموعة من العرب؛ فيقوم فجأة بقتل أحدهم بخمس رصاصات دون سبب، ويتم اعتقاله، لكن المحكمة لا تحاكمه على قتل العربي؛ بل على عدم حزنه على أمه. فالمدعي العام يصفه بأنه مجرم لأنه عديم الإنسانية؛ فلم يبكِ على أمه؛ ولذلك تصدر المحكمة حكمها بإعدامه بالمقصلة.

ويحاول ألبير كامو إثارة تعاطف القارئ مع هذا البطل؛ الذي يواجه الموت بلا أمل، لأن الحياة عبث، والعالم لا معنى له، وأن الإنسان يجب أن يقبل هذا العبث، ويعيش اللحظة فقط ككائن بيولوجي.

يوضح ذلك أن الغرب ينظر إلى العرب على أنهم بلا هوية، ولا يستحق قتلهم الاهتمام أو الإدانة لأنهم ليسوا بشرًا.. فهذا العربي مجرد شيء لا اسم له ولا ملامح؛ لذلك يتم قتله بدون مبرر ولا تهتم المحكمة بقتله، فلا يستحق قتله المساءلة أو العقاب.

وهكذا تمثل الرواية الرؤية الاستعمارية، حيث الغربي المستعمر هو الفاعل، أما العرب فهم بلا أسماء أو هوية أو وطن، والغربي لا يستحق العقاب على قتل العربي في نظر المحكمة الغربية التي تطبق القانون الاستعماري العنصري.

تطبيع العنف الاستعماري


لذلك يستخدم إدوارد سعيد مفهوم العمى الكولونيالي في تفسير الرواية ونقدها. فمن الطبيعي أن يقتل الفرنسي العربي، ولا يتعرض لأي عقاب، وتقديم العرب بلا أسماء أو أصوات؛ نتيجة لبنية استعمارية في الكتابة؛ فالعربي موجود فقط ليُقتل لا ليكون إنسانًا، والأدب الغربي يقدم صورة للمستعمرات على أنها فارغة إلا من الأوروبيين، وهكذا يعيد كامو إنتاج النظرة الإمبريالية: الأرض موجودة، لكن سكانها الأصليين لا يتم النظر إليهم كأشخاص.

ويعتبر إدوارد سعيد أن هذا تجريد غير أخلاقي للضحية العربية من الإنسانية، ويُشبه تغطية وسائل الإعلام الغربية التي تركز على معاناة الجنود الأمريكيين؛ وتتجاهل شعوب البلاد التي يحتلونها. فهل يفسر ذلك تغطية وسائل الإعلام الغربية للعدوان الإسرائيلي على غزة؟!!

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان