هل تجد المعضلة الكردية طريقها إلى حل دائم؟

خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخير حول انتهاء الحرب مع الأكراد، والذي سبقه خطاب للزعيم الكردي المسجون عبد الله أوجلان، والذي دعا خلاله مقاتلي حزبه للتخلي عن مشروع الدولة الكردية، وإلقاء السلاح، وتسليم عدد منهم بالفعل سلاحه، أو بالأدق حرق هذا السلاح في مرجل نقل صورته الإعلام في عملية رمزية بحضور قيادات سياسية وعسكرية تركية وكردية؛ وقبل ذلك قرار الحزب حل نفسه تنفيذا لدعوة أوجلان، كلها تطورات كبرى وسريعة لإنهاء المعضلة الكردية التي يقارب عمرها خمسمائة عام، ليس في تركيا فقط بل في بقية الأجزاء الكردية التي شكلت من قبل إقليم كردستان، والذي تم تمزيقه وتوزيعه بين 4 دول هي تركيا وإيران والعراق وسوريا كجزء من تداعيات اتفاق سايكس بيكو قبل مائة عام.
نحن أمام خطوات عملية في طريق حل الأزمة الكردية في تركيا، بعد رحلة طويلة من المحاولات بدأت في عهد الرئيس التركي الأسبق تورغوت أوزال مطلع التسعينيات، ثم استؤنفت بعد وصول حزب العدالة والتنمية للحكم بقيادة أردوغان مطلع الألفية الثالثة لكنها تعثرت وتراجعت مع عودة العمليات العسكرية بين الجيش التركي وحزب العمال الكردي PKK، ثم استؤنفت جهود السلام مؤخرا بمبادرة من زعيم حزب الحركة القومية دولت بهشتلي الخصم التقليدي للأكراد، وهي مبادرة لم تكن بعيدة عن حليفه أردوغان بل غالبا كانت بإيعاز منه، وقد تجاوب ساسة أكراد من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب المعبر عنهم مع المبادرة، وقاموا بنقلها إلى الزعيم الكردي أوجلان في محبسه الذي تجاوب معها، وهو ما وفر زخما كبيرا لانطلاق مسيرة سلام جادة هذه المرة، وكان أحدث حلقاتها ما أشرنا إليه في بداية المقال.
حسن النوايا
ما حدث حتى الآن هو مجرد إبداء لحسن النوايا من الطرفين، وسوف تبحث لجنة برلمانية متنوعة التشكيل الخطوات العملية لبدء عملية السلام، ومتابعة عملية تسليم السلاح، وإدماج المقاتلين الأكراد في المجتمع، أو حتى في الجيش التركي، وليس معروفا حتى الآن الطريقة التي سيتم التعامل بها معهم، فهناك فئة منهم قد يشملها عفو عام، وفئة أخرى قد تعرض على القضاء.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
يحتاج العفو العام لتوافق مجتمعي واسع تعبر عنه أغلبية مريحة في البرلمان، وقد أعلن أردوغان أن حزب المساواة الكردي سيعمل من الآن وصاعدا مع حزبه العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، أي أن الحزب الكردي الذي يمتلك 57 نائبا في البرلمان سيصبح جزءا من تحالف الجمهور الحاكم، وهو ما يوفر لهذا التحالف أغلبية برلمانية تمكنه من تعديل الدستور، وتضمينه ما سيتم الاستقرار عليه في عملية المصالحة التاريخية مع الأكراد، والتي ربما يكون جزء منها نظام حكم محلي لا مركزي في عموم تركيا حتى تستفيد منه الولايات ذات الغالية الكردية، وهو ما يمثل بديلا عن الحكم الذاتي القريب من الاستقلال على الطريقة العراقية أو الإدارة الذاتية على الطريقة السورية، كما ستبدأ الدولة خططا ومشروعات تنموية كبرى في الأقاليم الكردية لتعويضها عن سنوات الحرب وكذا السماح للأكراد بالتعبير عن هويتهم في مناهج تعليمية وإعلامية وثقافية.
معضلة إقليمية
يدرك أردوغان أن المعضلة الكردية لا تقتصر على تركيا، حتى وإن كانت صاحبة نصيب الأسد فهي تحتضن أكثر من نصف عدد الأكراد عالميا(15 مليون تقريبا)، وهي صاحبة تجربة مريرة في المواجهات العسكرية معهم، ولكن هذه المعضلة تمتد لتشمل بقية الدول المجاورة التي تحتضن أكرادا، فالحل لابد أن يتسع للجميع في النهاية حتى يحل السلام في المنطقة عموما، وحتى تتوقف عمليات استغلال الأكراد هنا أو هناك لإعادة الاضطرابات، وهو ما قد يسهم في انقلاب بعض الأكراد الأتراك على الاتفاق المتوقع والعودة إلى القتال مجددا.
لم يغب ذلك عن أردوغان في خطابه الأخير، فقد تحدث عن الشعب الكردي عموما ليس في تركيا فقط، كما أنه ضم إلى جانبه الشعب العربي، معتبرا ذلك هو المثلث الذهبي الذي يمثل قلب تحالف إسلامي وصفه بتحالف القدس، في إشارة إلى أن قضية القدس قضية مركزية لهذه الشعوب جميعها، وأن تحريرها يتطلب توحيد هذه الشعوب.
من المأمول أن تقدم تركيا نموذجا لحل دائم ومقبول من الأكراد يمكن تعميمه في كل من سوريا وإيران على اعتبار أن أكراد العراق حققوا مستوى متقدما من الحكم الذاتي الكامل لن يستطيع الأكراد في الدول الأخرى تحقيقه، ورغم أن أكراد سوريا استغلوا الثورة السورية، وانسحاب قوات الجيش السوري من مناطقهم فأسسوا إدارة ذاتية لا يزالون يتمسكون بها في مفاوضاتهم مع الحكم السوري الجديد، إلا أنه ليس من المتوقع أن يقبل الشرع بقاء هذه الصيغة، كما أن الأمريكان الداعمين للأكراد قد يقبلون صيغة أقل تنطلق من وحدة الأراضي السورية، وهو أمر لا يعارضه الأكراد، ولكنها تمنحهم بعض المكتسبات الخاصة، هنا سيكون لنتائج عملية السلام الجارية في تركيا أثرها على أكراد سوريا، فهم أكثر ارتباطا بأشقائهم أكراد تركيا، ويحتفظون بتقدير بالغ للزعيم عبد الله أوجلان الذي دعا جميع الأكراد لإلقاء السلاح والتخلي عن حلم إقامة الدولة الكردية الذي بات مستحيلا.
تحدي التدخلات الخارجية
على الأرجح ستكون الخطوط العامة للتفاوض في كل من تركيا وسوريا مع الأكراد متقاربة، وسيكون هناك تنسيق بين الحكومتين التركية والسورية وفي الوقت نفسه بين وفدي التفاوض الكردي في كلا البلدين، للوصول إلى صيغة مقبولة من الجميع تعيد للأكراد بعض مظالمهم التاريخية، وتمنحهم دورا أساسيا في دوائر الحكم وصنع القرار، وقد تكون صيغة الإدارة المحلية اللامركزية مريحة للجميع فهي تحفظ وحدة الدولة، وفي نفس الوقت تمنح خصوصية للمناطق الكردية في كل دولة، وقد تنتقل هذه الصيغة لاحقا إلى إيران.
يبقى أن التحدي الرئيسي أمام حل المعضلة الكردية هو التدخلات الخارجية التي تلاعبت بالأكراد خلال القرن الماضي، وخاصة الدور الإسرائيلي الحريص على إبقاء قنابل موقوتة في هذه الدول يفجرها حين يشاء، والمأمول أن يكون الأكراد وبعد تجربتهم المريرة على مدى مئة عام قد أدركوا أن مصلحتهم مع أمتهم وليس مع أعدائها، وبالتالي يواجهون بقوة هذه المؤامرات.
