المجلس الأعلى لشيخوخة الثقافة المصرية

لم أتفاجأ كثيرًا بالتشكيل الجديد للمجلس الأعلى للثقافة الذي أصدره رئيس وزراء مصر منذ يومين فقط، فقد تأملت الأسماء الموجودة، فلم تكن تخرج عن سياق عام تمضي فيه الدولة المصرية منذ سنوات. التشكيل الجديد، الذي يضم في سياقه شيوخًا، الأصغر فيهم يقترب من السبعين ربيعًا! لا يفاجئ إلا الحالمين، وأصحاب العمر الصغير أمثالي، الذين فقدوا تلك القدرة على الحلم في السنوات الأخيرة.
الأسماء الواردة في التشكيل الجديد للمجلس الأعلى للثقافة، تجعله يبدو وكأنه “مجلس أعلى جدًا”؛ أعلى في السن، وأعلى في الشيوخة العمرية، مما حدا بأحد الأصدقاء أن يطلق عليه “مجلس المقابر”، بينما قال آخر: ألم يجدوا طفلًا في الستين يلعب بجوارهم ليضفي بعضًا من الحركة على الفرقة العاجزة عنها؟ الملاحظة الثانية أن أغلب التشكيل أسماء تتكرر في كل اللجان والتشكيلات، وكأن مصر ليس بها إلا هؤلاء!
جاء الشابان راجح داوود، ودرية شرف الدين، في قائمة الأصغر سنًّا بين التشكيل العجوز جدًا، والشابة جدًا نيفين الكيلاني، 61 عامًا، وأعتقد أن مدبولي اختارها لتكون فاكهة المجلس والطفلة المدللة.
اقرأ أيضا
list of 1 item- list 1 of 1أن تكون رئيسًا حتى مدخل القبر!
راجح داوود، موسيقار مبدع، وأحد أهم مؤلفي الموسيقى في مصر، وهو شخص مهذب جدًا ومثقف جدًا، وقادني الحظ للعمل معه منذ 25 عامًا في أحد الأعمال الدرامية، واستمتعت بموسوعته الفكرية والثقافية ووعيه بتاريخ مصر وتاريخ الموسيقى عالميًا ومحليًا. وككل مبدع، له عالمه الخاص، البعيد كثيرًا عن الاحتكاك بالعالم الخارجي. ولكن راجح أيضًا تخطى السبعين عامًا، فما بالك بطابعه الانغلاق والبعد عن الناس؟ فماذا تفيد عبقرية راجح الحقيقية في مجلس أهم ما يعتمد عليه هو الحركة؟
العضو الثاني في التشكيل، وتبدو “صغيرة”، هي الإعلامية درية شرف الدين، وهي من جيل الرواد في ماسبيرو، فضلًا عن أن السيد أحمد المسلماني عيَّنها رئيسًا لأكاديمية التدريب في الهيئة الوطنية للإعلام منذ شهور. وتقترب السيدة درية من السابعة والسبعين، ولعل شباب الستين مثلي، يتذكرون في طفولتهم برنامجها الوحيد في ذاكرة ماسبيرو (نادي السينما). هؤلاء هم شباب المجلس الأعلى للثقافة الجديد!
أجيال سوق الأنتيكات
لا أدري سر وجود مصطفى الفقي العابر للأجيال، وعلى الدين هلال ابن منظمة شباب الستينيات، ومفيد شهاب -رفيق علي- في المنظمة الشبابية الناصرية، في هذا التشكيل العجيب للمجلس، وقد تجاوزت أعمارهم الثمانين على التوالي: 81، 84، 89. أما باقي المجلس: سلماوي، القعيد، بدرخان، وأحمد عبد المعطي حجازي، فهم يلعبون في نفس العمر، وإن كان أكبرهم حجازي (91 عامًا).
تُصوّر حضرتك الفائدة التي تعود على المجلس الأعلى للثقافة من وجود مفيد شهاب وهو على مسافة عام واحد من التسعين!
ولا ندري سر بحث مصر الدائم في مخازن الأنتيكات التاريخية ودفاترها الفرعونية لتشكيل كل لجانها وتولية كل مناصبها.
تُصوّر أن مصر الشابة، 65% من تعدادها ما بين الـ18 عامًا والـ45، لا تجد بين هؤلاء من يكون على رأس مجلس مهمته تقديم الثقافة ورعايتها؟ أو بين رجالها فوق الخمسين من يتولى المسؤولية؟
حتى في السياسة، عندما تبحث عن مرشح رئاسي (أعوذ بالله يعني)، تجد من يتحدث عن البرادعي (83 عامًا، دفعة علي الدين هلال)، عمرو موسى (89 عامًا، دفعة مفيد شهاب)، أو حتى حمدين صباحي، الذي يبدو الأصغر (71 عامًا، دفعة راجح داوود أيضًا).
هذا تفكير غالبية الشعب المصري. نعيش شيخوخة في كل شيء، حتى في أحلام القيادة، ويصبح أصحاب الخمسين عامًا – بتعبير مصري – “دول لسه صغار”!
نزعة شبابية بداية القرن
في بداية الألفية الجديدة، شهد العالم كله حالة من نزعة الشباب، وأُتيحت لمجموعات شبابية الظهور في العالم، ورأينا رئيسًا أمريكيًا شابًا (باراك أوباما)، ورئيس وزراء فرنسي، وآخر بريطاني، وظهر على السطح في مصر شباب برز في مجالات السياسة والثقافة والإعلام، وشكّل جمال مبارك بفرقته الشبابية عالمًا من الشباب، تختلف أو تتفق معه، فهذا موضوع آخر.
لكن مصر شهدت أسماء تقترب من منتصف الأربعينيات تستحوذ على مناصب ولجان عليا، ويبدو أن مصر (الدولة العميقة) لم ترضَ عن ذلك، وكانت القمة في شباب ثورة يناير الذين قادوا الثورة، وكان معظمهم في العقد الثالث من العمر، ولكنهم كانوا أخف تماسُكًا وحلمًا من جيل جمال مبارك.
تجربتان شابتان في تاريخ مصر
تاريخيًا، مصر الشابة في العصر الحديث لم تشهد سوى عهدين، يعتبرهما الكثير من المصريين – اختلفوا معهما أو اتفقوا – عصور نهضة:
عصر محمد علي باشا: الذي قاده شاب عمره 36 عامًا، وشهد تطورات جذرية في مصر، وقاد أغلبها الشباب الذين علّمهم وابتعثهم الوالي لأوروبا، وظل يحكم 43 عامًا.
عصر جمال عبد الناصر: الذي تولى الحكم في نفس عمر محمد علي (36 عامًا)، لكنه قاد ثورة غيّرت شكل المنطقة العربية، وقد رافقه حتى آخر أيامه شباب قادوا مصر في كل المجالات، مدنيون وعسكريون، أمثال عزيز صدقي (وزير الصناعة ورئيس الوزراء لاحقًا، وعمره 36 عامًا)، ومحمد فائق (تولى وزارة الإعلام في أواخر عهد ناصر، وعمره 27 عامًا).
لم ترضَ مصر طويلًا عن ذلك. بعدما توفي جمال عبد الناصر في عمر 52 عامًا، أي لو كان من مواليد هذا الجيل لبقي يلعب على المقاهي ألعابًا رياضية حتى وفاته، وكم من أصحاب نفس العمر الآن ماتوا ولم يحققوا أي حلم، أو ماتوا على المقاهي!
استعادت مصر طبيعتها “الشيخوخية” في أواخر عصر السادات، وفي ثلثي عهد مبارك، ثم عادت الآن لتجد في شباب الخمسينيات والستينيات ملجأها، وقد تخطوا الثمانين!
هل عقمت مصر؟
هل أصيبت مصر بالعقم حتى نجد نفس الأسماء تتكرر كلما احتجنا إلى لجان، مجالس، نواب، قيادات في كل المجالات؟ بالتأكيد لا، لكنها أجيال كاتمة على أنفاس الشباب!
في كل مجال ستجد الآلاف من الشباب الذين نحتوا أسماءهم في العلوم والفنون والثقافة والإعلام والسياسة، ولكن لا فرصة لهم!
هل تريد مني الآن أن أكتب لك عشرات الأسماء التي تفيد كثيرًا في تشكيل المجلس الأعلى للثقافة بدلًا من جيل دفاتر مصر العتيقة؟ سأكتب: فقد عايشت المجلس وطبيعته في بدايات القرن، وكان يقوده جابر عصفور وكان عمره في منتصف الستينات (شاب جدًا)، وعماد الدين أبو غازي في منتصف الأربعينات في ذلك الوقت، وأحمد مجاهد (38 عامًا آنذاك).
بالنظر نجد أن أمثال هذه القيادات الآن لا يزال أمامها، على الأقل، ثلاثين عامًا ليحلموا بتشكيل المجلس الأعلى للثقافة!
حضرت مؤتمرات، ندوات، احتفاليات، أيامًا فكرية وإبداعية، وغالبًا ما كان هناك نشاط يومي للمجلس ولجانه، وكان إنتاجه الفكري والثقافي لا يتوقف، وتعرفت على مئات المفكرين والمبدعين: علماء، أدباء، شعراء، باحثين.
ورغم تحفظي على النشاط المتمركز في القاهرة، إلا أن المنتج المصري والعربي الخارج من المجلس الأعلى للثقافة كان رائعًا، وكان المسؤولون عنه يحضرون يوميًا.
فهل سيوجد جيل الأجداد من تشكيل المجلس هناك يوميًا؟ أم يدخل المجلس الأعلى للثقافة “ثلاجة الموتى”؟!
أم إن ذلك هو التعبير الحقيقي عن رؤية رئيس الوزراء المصري للحالة المصرية عامة؟!
