ألبانيزي في مواجهة ترامب: صراع على نوبل أم على معنى السلام؟

فرانشيسكا ألبانيزي (الفرنسية)

 

من قلب البيت الأبيض، خرج علينا نتنياهو المحكوم بمذكرات توقيف دولية بصفته مجرم حرب، ليطلق على ترامب لقب “منقذ البشرية”، معلنا ترشيحه لجائزة نوبل للسلام، وكأن الرئيس الأمريكي المعروف بعشقه للصفقات وبيع الأسلحة “حمامة سلام”.
في تلك اللحظة، بدا وجه دونالد ترامب باسما، تغمره نشوة الانتصار، وكأن كلمات نتنياهو جاءت لتتماهى مع ما ظل يسعى خلفه طيلة سنوات رئاسته السابقة والحالية: “جائزة نوبل للسلام”.

في الحقيقة، لا يمكن قراءة هذا المشهد خارج سياق تبادل المصالح بين رجلين يواجهان تحديات قانونية وأخلاقية جسيمة، دولية وداخلية، ويبحثان عن شرعية شعبوية بأي ثمن، حتى لو جاء ذلك على حساب الحقيقة.
جوزيب بوريل، المسؤول السابق للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، لم يبتلع الطُرفة التي أطرب بها نتنياهو مسامع ترامب الساعي للألقاب، إذ أطلق رده بنبرة ساخرة على منصة “إكس”، قائلا: “مجرم حرب مطلوب دوليا يرشّح أكبر تاجر سلاح لنوبل للسلام، في ذروة تطهير عرقي لم تشهده المنطقة بهذا الشكل منذ عقود”.

حب الألقاب والشهرة

ترامب المعروف بحبه للألقاب والشهرة لم يتردد في نشر صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي بعد وفاة البابا فرانسيس مباشرة، مرتديا زي البابا وكتب تحتها: “العالم بحاجة إلى قيادة روحية جديدة، وأنا هنا”.
ورغم تأكيد البيت الأبيض لاحقا أن الصورة كانت نكتة، إلا أن البعض رأى فيها تعديا على الرمزية المسيحية، وآخرون رأوا فيها عبثا ومراهقة لا يصح أن تصدر من رئيس أقوى دولة في العالم.

وإن كان ترامب قد برّر وضع صورته بهيئة البابا سابقا من باب الطرافة، فإن سعيه الحثيث لربط اسمه بجائزة نوبل للسلام ومطالبته بها، لم يكن مزحة على الإطلاق،
فالمتأمل في ملامحه أثناء لقائه بنتنياهو يلحظ لدى الرجل يقينا داخليا بأحقيته بالجائزة، وكأنه يتغاضى عمدا عن سجل سياسي مثقل بالحروب والدماء والفوضى.

نحن هنا أمام شخصية تدّعي استحقاق الألقاب والجوائز، ارتبط اسمها بالدعم غير المشروط للكيان المحتل، وتجاهل حقوق الفلسطينيين بالجملة، وسعى للترويج لـ”صفقة القرن” المثيرة للجدل، ولم يُعرف يوما بمبادرات سلمية تُنهي النزاعات أو تُخفف من معاناة الشعوب.
وبالرغم من وعوده الكثيرة –أبان فترة ترشحه– بوقف الحروب والالتفات إلى الداخل الأمريكي تحت شعار “أمريكا أولًا”، إلا أن ما حدث كان على النقيض تماما، فما زال يشعل التوترات ويفرض سياسة الأمر الواقع بالقوة –ليس في أمريكا فقط–، وإنما في أكثر المناطق حساسية حول العالم.

عبثية سياسية

إن هذا المشهد، بكل تناقضاته، يلخص العبثية التي وصلت إليها السياسة الدولية، حين ينظر شخص مثل ترامب إلى نفسه كصانع سلام بدعم من حليفه نتنياهو، بينما يُتّهم أطباء غزة بالإرهاب، وهم الذين ثبتوا لعلاج الجرحى واستُشهدوا واعتُقلوا ثمنا لمواقفهم.
فمن يستحق التكريم فعلا؟ أطباء غزة أم قادة الحروب؟

ولعل ترامب وداعميه يجهلون أن لجنة نوبل النرويجية مستقلة تماما عن نفوذ البيت الأبيض، ولا تخضع لأي ضغوط أو رغبات شخصية مهما علت مكانة من يترشح للجائزة.
فهي تُمنح لمن يسهم في تعزيز الأخوة بين الشعوب، والحد من العنف، أو نزع السلاح، وفي هذا السياق، فشل ترامب في تحقيق أي من أهدافها، بكل جدارة واستحقاق.

ألبانيزي في مرمى العقوبات

في سياق موازٍ، تقف فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، صامدة كصوت مُدافع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، أمام العقوبات التي فرضت عليها من البيت الأبيض، متهما إياها بالتأثير في قرارات المحكمة الجنائية الدولية، والترويج لمواقف “معادية لأمريكا والسامية وإسرائيل”.
فشملت العقوبات تجميد أصولها، ومنعها وأفراد أسرتها من دخول الولايات المتحدة الأمريكية، عقوبات وصفت بأنها محاولة لإسكات صوت مستقل في منظومة حقوق الإنسان.

فرانشيسكا، المحامية والباحثة الإيطالية المتخصصة في القانون الدولي وحقوق الإنسان، لم تطلب أي جوائز كما يفعل ترامب، جلّ ما فعلته هو تعرية وجه الخلل في العدالة الدولية، خاصة المرتبطة بحقوق الفلسطينيين.
فتقاريرها الصارمة والمفصلة وصفت الاحتلال الإسرائيلي بـ”نظام الفصل العنصري”، ونددت بما اعتبرته “جرائم حرب قد تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية” في غزة، ودعت إلى مساءلة قادة إسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية، وفضحت دور شركات دولية في دعم هذه الانتهاكات.

والمفارقة أن الضغوط الأمريكية والصهيونية على فرانشيسكا، جاءت بمردود عكسي، إذ جعلت من المرأة واحدة من أكثر الشخصيات استحقاقا لجائزة نوبل للسلام، وفقا لأحزاب ونواب دوليين، ومنظمات حقوقية، وحملات توقيع جماهيرية وصلت لأكثر من نصف مليون توقيع لدعم ترشحها.

غزة واستحقاق نوبل

وفي ظل هذا المشهد المتقلب، باتت التطلعات السياسية تتقاطع مع الوقائع الدامية على الأرض، وتحديدا في غزة التي يمكن القول إنه –رغم جراحها– قد تكون ساحة تحدد ملامح استحقاق “نوبل للسلام”.

صحيح أن الجائزة قد تفاجئنا في أكتوبر/تشرين الأول المقبل بهوية من ستختاره رجل السلام، لكن هناك جدل مثير بات يطفو على السطح حول من يستحق اللقب، وتتصدر شخصيتان هذا الجدل:
الأولى، فرانشيسكا ألبانيزي، التي أصبحت تمثل صوت العدالة الدولية تجاه فلسطين وغزة، رغم ما تتعرض له من حملات تحريض تهدف إلى إسكاتها.

في الجهة المقابلة، يبرز دونالد ترامب، ليس كرمز للسلام، بل كشخصية تفتقد لأبسط المعايير الأخلاقية والسياسية في تعاطيه مع قضايا العالم والشرق الأوسط، وأهمها: غزة، تلك التي تحولت إلى أكثر القضايا دموية في العصر الحديث.
فالرجل الذي لم يتردد في تبني سياسة “الصفقات الكبرى”، وعمد إلى تجاهل أبسط المبادئ الأساسية للعدالة الإنسانية، يُعاد تقديمه اليوم من قبل مناصريه كـ”صانع سلام”.

وما بين ألبانيزي وترامب، يبرز التباين الواضح، ليس فقط في السياسات أو الخلفيات، بل في الفلسفة الأخلاقية التي تحكم نظرتيهما للسلام.
فالأولى تنطلق من إيمان راسخ بحقوق الإنسان، ومن التزام بالمحاسبة، ومواجهة الإفلات من العقاب، حتى في وجه أقوى الأنظمة السياسية.
أما الآخر، فيعدّ “نوبل” شعارا يضعه على أحد مبانيه الشاهقة في أمريكا، يخلد به أمجاده، بينما ينظر للسلام كسلعة، لا قيمة أخلاقية أو هدفا إنسانيا، ما يجعل مجرد ترشيحه للجائزة، ليس فقط موضع مساءلة أو سخرية، وإنما انقلابا على معايير الجائزة ذاتها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان