هكذا أدار “الهجري” السويداء.. وهكذا وقعت دمشق في الفخ!

حكمت الهجري (الأناضول)

سوريا التي نحلم بها قد تأتي بعد جيل أو أكثر وقد لا تأتي أبدًا، إذ لا تزال تعيش -منذ عقود- بين مطرقة التهميش وسندان الخيانة. هذه الصورة تجسدت اليوم واقعيًّا، وبشكلها الفج، وبلا رتوش.

بعد هروب المجرم الابن بأيام قليلة تشكل المجلس العسكري بغطاء مباشر من حكمت الهجري الذي يدّعي رئاسة طائفة الموحدين (الدروز) شاء من شاء وأبى من أبى. يحوي هذا المجلس بعض جنرالات العهد البائد وكبار تجار الكبتاغون وهم مطلوبون للعدالة بسبب جرائمهم ضد الشعب السوري، وتربطهم علاقة وثيقة بجيش الاحتلال الصهيوني عبر الزعيم الروحي لدروز الجولان المحتل، وقد أصبح هذا الأمر أكثر وضوحًا اليوم ولم يعد المرء بحاجة للبرهان أو الدليل.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

ما الذي حدث؟ وكيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة؟

الفخ الإسرائيلي

خلال الشهور القليلة السابقة عقدت حكومة دمشق ثلاث اتفاقات مع شيوخ العقل بمن فيهم حكمت الهجري وفي كل مرة كان الهجري يتراجع ويرفض الاتفاق، ويبدو أن الحكومة قررت أن تدعهم لشأنهم في إدارة مدينة السويداء، ولن نشير إلى نتائج إدارتهم في تلك المرحلة، فقد انتشرت الجريمة (القتل والسرقة) بشكل جعل أهل السويداء يبدون قلقهم من الوضع، وكلّها جرائم موثقة لمن يريد البحث عن أدلة. هذه الحالة السكونية بين جماعة الهجري وبين الحكومة لم تكن في مصلحة المجلس العسكري وزعيمه الروحي، فدُبرت حادثة سرقة سيارة الخضار على طريق دمشق السويداء وطبعًا المتهم فيها جماعة العشائر (ويسمونهم البدو احتقارًا وليس توصيفًا) وبدأت سلسلة الخطف والاعتداء المتبادل بين الطرفين، مما استوجب تدخل الحكومة وهنا بدأ الفخ الإسرائيلي الهجري.

إسرائيل تُصرّح بضرورة توجه الدروز إلى دمشق، يعقد الطرفان جلسة، ويتم الاتفاق على دخول قوات الأمن العام إلى مدينة السويداء وبمجرد دخولهم بدأت كمائن المجلس العسكري اغتيالهم، وسارع حكمت الهجري إلى نقض الاتفاق، وطلب من مقاتليه القتال، وبدأت صور القتلى والتمثيل بهم تنتشر، سارعت حكومة دمشق بإرسال قوات وزارة الدفاع، واستطاعت السيطرة على الوضع بنسبة كبيرة جدًّا.

وقعت دمشق في الفخ، وجاءت اللحظة المناسبة لقوات الجيش الإسرائيلي التي لا حلم لديها سوى تقسيم سوريا، وعادت إلى سرديتها القديمة في الدفاع عن دروز سوريا، وهجمت إسرائيل بثلاث غارات على دمشق، وبذلك أجبرت وزارة الدفاع على الانسحاب من السويداء، والمتتبع اليوم لتلفزة العدو الإسرائيلي يسمع بكلّ صراحة رغبتهم الشديدة في إيجاد منطقة عازلة من خلال إنشاء كانتون درزي مستقل في السويداء على غرار كانتون أنطوان لحد في لبنان، متمسكين برغبة وطلب (رئيس طائفة الموحدين) حكمت الهجري بتدخل إسرائيلي لحمايتهم، متناسين تمامًا رغبة شيوخ عقل في الطائفة لا يقلون مكانة عن الشيخ الهجري الذي تجرّأ وأصدر بيانًا يطالب فيه بقتلهم واعتبارهم خونة؛ لأنّهم عقدوا اتفاقًا مع حكومة دمشق، وأعلنوا وقوفهم مع الدولة السورية، وهم الشيخ يوسف جربوع، والشيخ حمود الحناوي، والشيخ ليث البلعوس.

هل أخطأت دمشق؟ هل حصل تجاوزات؟

نعم أخطأت دمشق بإرسالها الجيش إلى السويداء، وكان بإمكانها البحث عن حلول مغايرة، لكن على ما يبدو لا تزال عقلية الفصيل تعمل، ولم تتقن الحكومة بعد آلية التفكير بمنطق الدولة بشكل جيد. نعلم جيدًا أنّ حكومة دمشق لا تزال مقيدة برغباتٍ وأطماعٍ إقليمية ودولية، وكلّ الوعود التي عشناها، وسمعناها عن المستقبل المشرق لا تزال حبرًا على ورق، ولا تزال الأوراق المتاحة لرئيس الجمهورية قليلة باستثناء الموقف الشعبي العام الداعم بقوة، إلا أنّ هذا الموقف إن لم يُستثمر بذكاء فقد تذهب سوريا إلى المجهول حرفيًّا، استغلاله في مواجهة الخارج سيؤدي حتمًا إلى ازدهار وسيادة، أمّا استغلاله في مواجهة عقبات الداخل فقد يودي بسوريا إلى دمار ما لم يُدمر بعد. لقد حصلت تجاوزات مؤلمة وكثيرة في السويداء من قبل الطرفين، إذ لا ينبغي أن ننسى أنّ الكثير من أفراد الأمن العام وحتى من أفراد الجيش هم في الأصل من أصحاب التسويات ممن سلّموا سلاحهم بعد سقوط النظام، ثمّ انتسبوا من جديد لوزارتي الدفاع والداخلية!

مطرقة التهميش وسندان الخيانة

نستطيع القول اليوم إن بؤر الخيانة أصبحت واضحة تمامًا تتمثل بشكل محدد ومعيّن في جماعة المجلس العسكري تحديدًا وبقايا حزب العمال الكردستاني في قسد، أمّا جماعة فلول النظام فهم موزعون اليوم بين هاتين الجهتين، وأصبح واضحًا تمامًا الدعم الإسرائيلي للأولى، والإيراني للثانية. يجب التنويه هنا إلى أنّ أمريكا لا تزال تمسك العصا من المنتصف، تدعم حينًا وتغض الطرف حينًا تبعًا لمصلحتها الخاصة، وحرصها المقدس على إسرائيل. أمّا التهميش فيأتي حصرًا من الداخل، من حكومة دمشق ذاتها رغم خطابها الحريص جدًّا على حقوق المواطنة، لكن على أرض الواقع يبدو أنّها لا تريد الاستعانة بكوادر المرحلة الأولى من الثورة السورية، ولا تزال تعتمد مبدأ التزكية في التعيينات في مختلف المواقع؛ لذلك يسودها اليوم اللون الواحد الذي يعترض عليه الكثير من المعارضين.

في نهاية المطاف لا تزال سوريا اليوم في مرحلة تأسيس دولة وهذا يعني أنها لم تتشكل بعد، صحيح أنّها قطعت شوطًا رائعًا على الصعيد الخارجي، لكن رغبات وأطماع الخارج لا تزال تشكِّل قيدًا على تقدمها داخليًّا، ولن تبدأ المسيرة بشكل فعلي إلا بعد أن تتحوّل مذكرات التفاهم على التطوير إلى عقود ملزمة، وتتحوّل الوعود بحقوق المواطنة والتشاركية إلى حقيقة، وكلّ ذلك لا يمكن أيضًا أن يتقدم (داخليًّا) إلا بعد تحقيق العدالة الانتقالية، ومحاسبة المجرمين من كافة الفئات.

حذَّر الرئيس الشرع في كلمته المتلفزة -تعقيبًا على ما جرى في السويداء- من الانجرار وراء سياسة زرع النزاعات والتقسيم، وأكّد على وحدة الأراضي السورية، وعلى محاسبة المجرمين على الانتهاكات التي قاموا بها.

السوريون في انتظار نتيجة المفاوضات الحالية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان