دمشق.. إسرائيل تقصف والشرع يخطب!!

المشهد في سوريا يتحول بشكل سريع، لا يدركه إلا من ينظر إلىه بصورة كلية، من حيث الموقف من الربيع العربي، والثورات المضادة، ليدرك أن المشهد متكرر في دول أخرى عربية، تخلصت من الحاكم المستبد، بثورة شعبية، سواء كانت بيضاء أم مسلحة، وهو ما نراه في تجدد أحداث السويداء في سوريا، والانتقال إلى مربع الاستعانة بالجيش الإسرائيلي من حكمت الهجري أحد قيادات الدروز الدينية، وتدخل الكيان بالفعل بضرب دمشق، بذريعة حماية الدروز، رغم صدور كلام عاقل عن حكماء وطنيين منهم، برفضهم ذلك، وأن أفضل الحلول لهم هو الوحدة في سوريا.
في ظل هذا التوتر، لم يصدر عن سوريا رد عسكري على الاعتداء الإسرائيلي، بل قام الرئيس السوري أحمد الشرع فجر الخميس بإلقاء بيان، عبر فيه عن إدانة ما حدث، وأنهم لن يفرطوا في حق الشعب السوري، الذي ناضل ولديه استعداد لنضال مستمر حتى يستقر حكم الثورة. وما جرى من اعتداء إسرائيلي، وخطاب للشرع، يستدعي وقفات مهمة للسوريين ولغير السوريين، من المشتغلين بالسياسة سواء عن طريق الثورة البيضاء أو الثورة المسلحة.
خلاف وتناقض حول الخطاب والحدث:
اختلفت ردود الأفعال حول الخطاب، فمنهم من وصفه بالبطل الشجاع، ومنهم من وصفه بأنه مجرد ظاهرة صوتية، سيتكلم وفقط، وليس لديه من أدوات سوى الكلام، وعلى مدار أيام متتالية دأبت صفحات وقنوات، على نقل ما يحدث في السويداء من باب وصم الشرع وحكمه بالإرهاب، لتجاوزات حدثت، لا يقر بها عاقل، ولا صاحب خلق، ويجب محاسبة من قاموا بها، من حلق للحى وشوارب أشخاص من الدروز، بينما لم يصدر عن هذه المنصات إدانة للاستعانة بالعدو الصهيوني، ونفس الشخصيات والصفحات، يحدث في بلادها تنكيل للمعارضين، واستحلال لهم في الشوارع والسجون والمنافي، وكان موقف جل هؤلاء ليس الصمت، بل التأييد والتحريض.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
ولذا الأولى في هذه المواقف ألا يتحدث عنها إلا من له إلمام، أو شبه إلمام بالحالة من جل أطرافها، أما الحديث عن حدث من جهة واحدة، وصم الآذان، وغلق الأعين والعقول عن بقية الجهات، فهو تزوير وتدليس في الأمر، وهو ما حدث من أطراف أخرى، راحت تتناول الحدث من خلال الموقف الديني لطائفة الدروز، وهو كلام خاطئ، فالدروز ككل المذاهب والفرق والطوائف، فيها الصالح والطالح، فيها الوطني والخائن، فإذا كان هناك حكمت الهجري يستعين بالاحتلال، فهناك وليد جنبلاط الرافض لذلك، ولذا من الرشد في هذه المواقف ألا نفقد البوصلة، وألا نخلط الأوراق.
شرع ما قبل الدولة وما بعدها:
لقد تغير رد فعل الشرع في المشكلات التي تواجهه عن الشرع قبل تولي السلطة، وهو ما عده البعض ضعفا، وهو في واقع الأمر عند الإنصاف: ليس ضعفا، بقدر ما هو البعد عن المغامرة التي لا يملك فاتورتها، في ظل أوضاع صعبة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، فرغم ما ورد في بيانه من رفض العدوان، والإصرار على بيان حق الشعب السوري، في عدم انتهاك سيادته، إلا أن إعلان الحرب المفتوحة في هذا التوقيت، ليس لصالحه ولا لصالح سوريا.
وهنا يأتي الفرق بين الفرد الذي يعمل وفق فصيل مسلح يثور على السلطة المستبدة، أو بين قائد لهذا الفصيل المسلح، وبين أن تتوسد السلطة فيها بعد ثورة تطيح بهذا المستبد، ومطلوب منك البناء، وبناء علاقات قبل نسف أنظمة، أو إزالتها من الحكم، وهو أمر كانت أصواتنا تبح فيه بعد ثورة يناير، أن الثورة يجب أن توازن بين الميدان والمؤسسات، ولا تظل المؤسسات مرهونة برشد أو مراهقة من ينزلون الميدان بعد خلع مبارك، ولم يفهم الإسلاميون ذلك، ولا معارضوهم المتعجلون للأسف.
ضربت سوريا يوم ضربت إيران:
أما الرسالة التي يجب على السوريين أن يتوقفوا أماما طويلا، ليستفيدوا منها في مستقبلهم، فهو البعد عن العاطفة وقت تحكيم العقل، وترجيح المصالح، فقد نالت ألسنة وأقلام بعض السوريين كثيرا من الكتاب المصريين وغيرهم، ممن نظروا للحرب بين إيران وإسرائيل نظرة كلية، ولم يقفوا بها عند وقوف إيران إلى جانب بشار وقت الثورة حتى سقوطه، فقد كنا نرى أنه ليس من مصلحة المنطقة كلها أن تخرج إسرائيل منتصرة من معركتها مع إيران، ليس حبا في إيران، ولا بغضا في أهل سوريا، ولا نسيانا لآلامها، بل لأن المعادلة ستكون مزيدا من التغول الإسرائيلي، وهو ما رأيناه الآن، كلما ضيق على نتنياهو أو هدد بالمحاسبة في إسرائيل، أو هدد سياسيا، ذهب إلى ضرب عاصمة عربية أو إسلامية.
وظن كثيرون من الإخوة السوريين أن هزيمة إيران، وقصم ظهرها في هذه الحرب، سيكون ردا لجزء من حقهم عليها، بينما كان ذلك وبالا، وهو ما أثبتته الأيام، وبرهنت عليه، وهو ما كنا نحذره ونخشاه، وظنوا أن التسريبات التي خرجت بلقاءات بين المسؤولين السوريين فيما يتعلق بالتطبيع، ووعود بعدم تشكيل تهديد للكيان، كل ذلك كفيل بتركهم يبنون دولتهم، وينجحون ثورتهم!
وهو ما نبه إليه الكثيرون من أهل السياسة، والفهم للأمور بالنظر إلى مآلاتها، فليس شرطا أن يكون هزيمة خصم لك انتصارا لك، أو ردا لبعض حقك، أحيانا يكون بقاء خصمك في مواجهة خصم آخر، دون نصر لأحدهما على الآخر، هو سبب من أسباب بقائك، وابتعادك عن لهب نيرانه وعدوانه، وهو ما لم يفهمه الكثيرون إلا متأخرا.
