عدسة المواطن شرطي العصر الحديث.. حكاية بلطجي!

كاميرا الهاتف المحمول وسيلة للايقاع بالبلطجية والخارجين على القانون (رويترز)

“لا يمكن لدولة ذات تعداد سكاني كبير أن تعين شرطيًّا لكل مواطن”؛ عبارة شهيرة طالما ردّدها المسؤولون لإعلان استنفار الوعي الشعبي لمواجهة ظواهر البلطجة والسلوكيات المشينة.
وقد بدا لسنوات أن هذه الدعوة مجرد خطاب تعبوي، حتى جاءت التكنولوجيا لتمنحها مضمونًا واقعيًّا جديدًا.
ففي عصر أصبحت فيه الهواتف المحمولة في متناول الجميع، لم تعد أعمال البلطجة واستعراض القوة في الشارع المصري، وفي دول العالم الأخرى، جرائم خفية يسهل التستر عليها. فقد تحوّلت عدسات الهواتف الصغيرة إلى واحدة من أقوى أدوات المواجهة المدنية، تكشف مظاهر العنف المسلح، والفوضى الأخلاقية في المجتمع.
هذه الكاميرات المحمولة أصبحت اليوم تمثل “الشرطي الخفي” الذي نادى به المسؤولون، بل ودعموه بقانون البلطجة الجديد، الذي يتيح للمواطن أن يصور المخالفات ويرسلها إلى الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية. فهي من جهة أداة توثيق مشروعة تفضح الجريمة وتدفع السلطات إلى التحرك، ومن جهة أخرى تثير جدلًا حول خصوصية الأفراد وحدود النشر العام، والمسؤولية القانونية والأخلاقية لمن يقوم بالتصوير والمشاركة.

عدسة قادت إلى العدالة

قبل عدة أيام، اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر موجة من الغضب، بعد انتشار مقطع فيديو لشاب يُدعى شهاب، يقود “توكتوك” على أحد طرق القاهرة السريعة، ويشهر مفكًّا في وجه سائق سيارة بكل ثقة، وهو يصرخ: “أنا شهاب من عند الجمعية”!
لم تمر ساعات حتى أعلنت وزارة الداخلية القبض عليه والتحفظ على السلاح المستخدم. لكن ما جعل شهابًا حديث الناس لم يكن فقط فعل البلطجة، بل لأن الكاميرا فضحته، والرأي العام حاكمه، والسلطة استجابت لضغط الجمهور.
ليست هذه الحالة الأولى، بل تُضاف إلى سلسلة متزايدة من الوقائع التي أصبحت الكاميرا فيها عاملًا حاسمًا في تحريك أجهزة الأمن. من تصوير عربات نقل تسير عكس الاتجاه، إلى حفلات زفاف تتحول إلى استعراضات بالسيوف والسنج، ومن مشاهد تحرّش علني في الشوارع، إلى مشاجرات بالعصي والسكاكين، وفرض إتاوات على الباعة الجائلين تحت التهديد، ووصولًا إلى مطاردات بالسيارات والدراجات النارية لترويع المارة أو الاعتداء على الغير، ليصبح توثيق المواطن لا البلاغات التقليدية هو المحرك الفعلي لتدخل الدولة.

من القاهرة إلى العالم: الكاميرا لا تكذب

ليست مصر وحدها في هذا المشهد، ولا شهاب هو الوحيد الذي وقع في قبضة الكاميرا، بل تتكرر المشاهد وتتباين الردود.
في مدينة ملبورن الأسترالية، وتحديدًا بحي “مونيه بوندز”، كان المشهد مختلفًا. رجل يحمل سكينًا ويتصرف بهستيريا في أحد المقاهي، يصرخ ويقذف الطاولات والكراسي، قبل أن يتدخل عدد من المواطنين بشجاعة ويشلّوا حركته حتى جاءت الشرطة. القصة انتهت بتهمة “حيازة سلاح”، لكن الحقيقة أن الفيديو هو من أنهى المشهد، وأوقف الكارثة قبل أن تتضخم. بدون تلك اللقطة، لربما أنكر الرجل، أو تاهت التفاصيل، أو رُسمت الرواية على غير ما حدث.

التصوير ليس ترفًا بل فعل مقاومة حضاري

لنتأمل هذا التحوّل، من مواطن يخاف التعبير أو الإبلاغ أو التدخل عند رؤية جريمة أو تجاوز، إما خوفًا من الانتقام، أو لعدم ثقته في أن صوته سيُؤخذ على محمل الجد، إلى مجتمع بدأ فيه الأفراد يرفعون هواتفهم ويوثقون ما يشاهدونه من انتهاكات، واضعين بذلك أجهزة الأمن أمام مسؤولية أخلاقية ومهنية لا يمكن تجاهلها.
ولعلّ هذا الشاب، الذي حمل مفكًّا واعتدى على أحد الأشخاص في وضح النهار، ظنّ للحظة أن لا أحد يراه، أو أن أحدًا لن يجرؤ على التبليغ. لكن الكاميرا كانت هناك، والرأي العام كان حاضرًا، والمحكمة قالت كلمتها في النهاية: حبسه لمدة عامين مع إيداعه بدار رعاية، بعد إدانته بالاعتداء على مواطن.
قد يرى البعض أن الحكم على شهاب، بصفته “طفلًا”، كان قاسيًا، أو أن العدالة قد تغاضت عن آخرين أشد خطرًا وأكثر فوضى. لكن الحقيقة أن هذا الحكم لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل رسالة حازمة تقول إن القانون لا ينبغي أن يُستضعف أمام مشاهد الفوضى.
فحين تتحوّل الشوارع إلى مسارح مفتوحة للبلطجة، وتُرتكب الجرائم أمام عدسات الكاميرات، لا يعود الردع ترفًا، بل يصبح ضرورة وجودية لحماية المجتمع، واستعادة هيبة الدولة، وإعادة الاعتبار لفكرة الأمن نفسها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان