إيران.. قصة جاسوس!

تناقلت مواقع كثيرة خلال الأسبوعين الماضيين قصة من سمَّته “أخطر الجواسيس الإسرائيليين في طهران”، وهي قصة ذلك الجاسوس الذي تخفّى في زي الإمام عبد الرحمن. وتحكي القصة عن سمعون ديرافي، ضابط الموساد الإسرائيلي الذي تعرّض لإصابة في إحدى عملياته، لم تُمكنه من مواصلة عمله كضابط، فاختار له الموساد مهمة صعبة جدًا: اختراق المساجد والمزارات الدينية، ليصبح سمعون هو “الإمام عبد الرحمن”، ويُلقب بـ”الهادي”.
هل القصة حقيقية؟
تتضمن القصة تفاصيل كثيرة عن تحوّل ضابط الموساد إلى أحد أكبر الشيوخ في طهران، ومرجع من أهم المراجع الدينية في قم. فقد بدأ عبد الرحمن في مسجد صغير، وسرعان ما تحوّل إلى مرجعية كبيرة، وأصبح صاحب شعبية طاغية، لينتقل إلى مساجد أكبر، ومنها إلى التلفزيون الرسمي، ثم صار صاحب قناة على اليوتيوب يشاهدها مئات الآلاف من الإيرانيين، وربما امتد تأثير الإمام عبد الرحمن ليجد له مريدين في أقطار أخرى.
ومهما تكن حقيقة القصة التي نشرتها مواقع صحفية ليست ذات مصداقية عالية، وتناقلتها قنوات على اليوتيوب، إلا أن مدى صدقيتها يكاد يتطابق مع كثير من قصص الجاسوسية العالمية، وخاصة تلك التي تكررت في التاريخ العربي والإسلامي.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
غالبًا ما يكون الشخص الذي زرعه الصهاينة اليهود أو القوى الصليبية الغربية صاحب نفوذ كبير وعلاقات أكثر. فمن خصائص الجاسوس “المزرع” أن يكون دائمًا محل ثقة الآخرين، ويعتمد في ذلك على موهبته في الخضوع لمن بيده السلطة، أو على كونه مصدرًا للثقة عند معارفه من خلال حديثه الذي يريح الطرف الآخر. والمطلوب هنا أن يقوم الطرف الآخر بإمداده بمعلومات، وهو مطمئن تمامًا إلى صدق الجاسوس ووطنيته، وحبه الكبير للأمة والوطن.
نظرية المسيري
لعل أهم ما في قصة سمعون ديرافي التي ذاعت في الأيام الماضية هو تجسيدها لنظرية المفكر المصري الكبير الراحل عبد الوهاب المسيري فيما أسماه “الصهيوني الوظيفي”، بل يكاد كلام المسيري أن يجعل من سمعون (الإمام عبد الرحمن الهادي) نموذجًا حيًّا لما قاله عن “الصهيوني الوظيفي”. فقد أشار صاحب الموسوعات الفكرية المهمة في تاريخ اليهود والصهيونية العالمية إلى أننا “قد نصل يومًا ما إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان العربي والمسلم صهيونيًا وظيفيًا، يؤدي الوظائف التي يؤديها القائد العسكري الإسرائيلي أو التاجر اليهودي الموالي لإسرائيل”. ثم قال مازحًا: “إن اليهودي الجديد أو الصهيوني الوظيفي سيأتي ويُصلي معنا العشاء في هذا المسجد”.
الواقع أن القصة الشائعة للجاسوس الإمام في إيران قد تكون أقل وطأة من “الصهيوني الوظيفي” الذي أشار إليه المسيري، لأننا هنا أمام قصة “زرع” جاسوس في أخطر الأماكن الدينية في إيران، جعله نموذجًا للشباب، وحاز ثقة عدد من الحرس الوطني الإيراني، بل وأصبح مرجعية دينية.
توغّل كبير للجواسيس
لعل أهم ما حدث في حرب الـ12 يوما بين الجمهورية الإسلامية والكيان الصهيوني هو اكتشاف هذا الكم الكبير من جواسيس الكيان داخل إيران، والذي وصل إلى حد محاولة اغتيال الإمام علي خامنئي، المرشد العام للثورة الإيرانية، والرئيس الإيراني مسعود بزشيكان، إثر هجوم إسرائيلي استهدف اجتماعًا للمجلس الأعلى للأمن القومي في 16 يونيو/حزيران الماضي، حضره عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين ورؤساء السلطات الثلاث في إيران.
أُصيب الرئيس الإيراني في الهجوم الذي تضمَّن إطلاق 6 صواريخ أو قنابل، وقد كشفت إيران عن الحادث بعد أكثر من أسبوعين عليه، ورُجّح أن هناك متسللًا داخل الاجتماع، الذي لم يكن يعرف به إلا من هو موضع ثقة داخل الدولة. ويعكس ذلك حجم الاختراق داخل مؤسسات هامة في الدولة الإيرانية.
وقد أشارت حوادث مثل اغتيال الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي، والقائد إسماعيل هنية رئيس حركة حماس، وقبلها اغتيال قاسم سليماني، وبعدها ما حدث أثناء الحرب من اغتيال قادة الحرس الثوري والجيش والعلماء الإيرانيين، إلى مدى تغلغل الموساد، سواء عبر ضباطه أو أتباعه من “الصهاينة الوظيفيين”، داخل الأراضي الإيرانية. وربما تكتشف معارك وحروب أخرى عناصر شبيهة في دول تعتبرها إسرائيل أعداء.
صفات الجاسوس
يجيد الكيان الصهيوني صناعة الجواسيس والصهيوني الوظيفي. وتاريخيًا، استطاع الصهاينة اليهود زرع المئات من أمثال عبد الرحمن الهادي أو سمعون ديرافي. ويتمتع الجاسوس أو الصهيوني الوظيفي بالقدرة على نيل ثقة الجميع؛ فلا يغضب أحدًا، ولا يحاول إثارة أي طرف ممن يتعامل معهم، ويحوز رضا الجميع بإعطاء كل فريق ما يريد.
لكن الغريب أن الجهة المستهدفة بالتجسس غالبًا ما تترك كل المخلصين، وتلجأ إلى هذا الجاسوس الذي يُقدِّم لها دائمًا ما تحتاجه، دون أن تأبه بتحذيرات المخلصين، فتدفع الأوطان ثمن ذلك.
يصل الجاسوس أحيانًا إلى أن يكون إمامًا مسموع الكلمة، أو رجل أعمال واسع الثراء والسمعة، تساعده أجهزة الدول ثقة في وطنيته. ثم يتطور الأمر، فيأخذ العدو الصهيوني أبناء الوطن ذوي النفسية الضعيفة والروح الهشة، ليُربيهم على يده، ويصنع منهم قادة جيوش، أو صناع رأي عام (إعلاميون)، أو مفكرين وأدباء، أو رجال دولة في مؤسسات كبرى، ليديروا دفة الأوطان. وربما يصبح أحدهم رئيسًا للجمهورية، يقوم بدور “الصهيوني الوظيفي”، أو إمامًا بديلًا لذلك الجاسوس، الذي أصبح في إيران مرجعية دينية وصاحب ثقة الملايين.
