السوريون يعرفون طريقهم.. دعوا فلول البعث تموت وحدها

ليس على السوريين حرج في ما يرسمون من سياسات تلائم وضع بلدهم الخارج من تحت نظام مدمر، ولا حرج عليهم ألّا يستشيروا بقية العرب في ما يدبرونه وخاصة في موضوع العلاقة مع الكيان الغاصب بجوارهم. فلا أخال السوريين إلا يعيشون بألم ذابح، تخلي العرب عنهم يوم كانوا محتاجين إلى الدعم والمساندة.
أما مناسبة هذا القول فهو عودة حديث الاتهام بالتطبيع والمسلطة على النظام السوري الجديد والصادر بالدرجة الأولى عن فلول البعث، أو ما كنا نظنها جبهة ممانعة، وانكشفت عن مذابح في الشعب السوري والفلسطيني واللبناني باسم تحرير فلسطين.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
إن المشهد عندنا مرتب بوضوح بين أنظمة التطبيع وأنظمة زايدت بالحق الفلسطيني، أن النظام المطبع هو نظام تخلي عن الفلسطيني ليحمي نفسه من العدو، والنظام المزايد بفلسطين هو نظام يقتل الفلسطيني ليحمي نفسه من العدو، وهو فرق جوهري، وهي حال بشار وأبيه لمدة نصف قرن من العذابات الفلسطينية.
يعرف الفلسطيني الرسمي والشعبي أن نظام البعث برأسيه قتل من الشعب الفلسطيني أكثر مما قتل العدو الغاشم، كما يعرف من مول منظمة التحرير ونضالاتها بالمال (رغم وصم التطبيع) ويعرف من منع الفلسطيني من المقاومة (باسم الممانعة). لذلك، وجب التنويه أن حديث التطبيع المدان يمكن أن نتلقاه بعقل متفهم من كل الجهات إلا جهة نظام البعث وفلوله المنتشرة تحت التكييف، تعلم السوريين المشردين في الخيام ما عليهم فعله في بلدهم.
سوريا “مرمة” مفتوحة
تمر سوريا بفعل نظام البعث بأشد مراحل تاريخها عسرا.
بعد تسعة أشهر من نجاح الثورة، لم يفلح النظام الجديد في تدبير مأوى لملايين اللاجئين في الخيام، لأنه ليس لهؤلاء بيوت يعودون إليها، فقد هدمها بشار ودفن كثيرين تحت ركامها.
كل شيء في سوريا ركام، وهي تجاهد أن تخرج من تحته بكرامة، وأي حكومة تتحلى ببعض العقل لا يمكنها فتح حرب بلا أفق بشعب مجوع ومهجر. لذلك، سواء حكمها الآن إسلاميون أو ملاحدة، فإن العقل السياسي يتجه بالقوة إلى جبر الشعب المكسور قبل خوض حرب لا يملك لها سلاحا ولا جنودا.
من ينكر حاجة السوريين إلى فترة سلام يتدبرون فيها رزقا ومأوى، ويعيدون أولادهم إلى مدراسهم، ويصلحون من حالهم، لا يمكن أن يكون إلا مزايدا بثورية تحت التكييف. سوريا “مرمة” مفتوحة لإعادة البناء من الأسس.
وقدر سوريا أنها دولة مواجهة، وجزء حساس من أرضها محتل منذ عام 1974. وقد اغتصب العدو قطعة عزيزة أخرى من الأرض، ويفرض شروط المحتل على الحكومة الجديدة. وجنحت القيادة الجديدة إلى التفاوض بدلا من الحرب، بما عُدَّ استسلاما وتطبيعا. والإشارات الصادرة عنها تُقرأ بعقل هادئ كمناورة اجتناب معركة، لكن المزايدة “الثورجية” تؤوّلها تطبيعا مكشوفا، فهل هي تطبيع حقيقي يجري “تمويهه” في انتظار الفضيحة؟
لنخرج من الفخ
أخلاق الفلول لن تبلغ بهم مبلغ الاعتذار للسوريين على جرائم بشار وأبيه في حق السوريين، والفلسطينيين، واللبنانيين، والعراقيين.
لقد حارب البعث على كل الجبهات إلا جبهة الجولان، وقتل من العرب حيث وصلت يده، وأصاب الفلسطيني منه ما لم يصبه من عدوه. ولقد استعان على شعبه بالميليشيات التي زعمت السير إلى القدس، فتوقفت في سوريا تدمرها باسم الممانعة، وتتخصص في اللطميات وإنتاج الكبتاغون لتخدير بقية العرب. لذلك، فإن مجادلة هؤلاء في أمر فلسطين -القضية القومية- هو مضيعة للوقت، وهو من جنس الرد بالحجر على كلب مربوط إلى سارية. لقد سقطت قواعد البعث في كل مكان، ونموذجه في الحكم صار وراء السوريين والعرب. دارت المعركة، وفرزت الصفوف.
هل يملك السوريون الآن قدرة على خوض حرب تحرير الجولان المحتل وما أضيف إليه؟ هل يزايد على السوريين بالنخوة وهم يرون العدو بجوار عاصمتهم إذا ارتقوا سطوح منازلهم؟ هل السوريون أذلاء إلى حد التطبيع؟
هذه هي الأسئلة التي يجب طرحها الآن بالذات، بعنوان تفهم الموقف والسياسيات، وليس بعنوان التبرير لها. ونقدّر أن عاقلا يمر بهذا الكلام سيميز بين التفهم والتبرير.
إن ما يفعله السوريون هو بكل بساطة إسقاط منوال التجارة بفلسطين دون إسقاط منوال قوة سوريا الداخلية، تشتغل ضمن معركة تحرير شاملة، وأوان نطق الجملة يحدده السوريون.
نرى السوري يرمم جيشه ويغربل الرجال، ونراه يعمل على توحيد بلده من انفصاليين تبيَّن أن شكيمتهم عند الصهاينة (للتذكير “قسد” حليف الفلول: قف)، ونراه يسارع إلى إعاشة شعب جائع وعاطل ومعطل عن كل نشاط منتج، وفوق ذلك يخضع لابتزاز أمريكي مباشر بالتطبيع مقابل رفع العقوبات، وهي إرث البعث ولا ذنب فيها للمواطن السوري. فأين تكون نقطة البداية المعقولة سياسيا؟ وقبل ذلك، هل تملك القيادة السورية أن تسوق شعبها في حالته الراهنة إلى حرب لا قدرة له عليها؟ هل كان المواطن السوري سيستجيب لقيادة تدفعه في طريق موت آخر؟ تبدو لنا الأولويات التي رتبتها القيادة السورية معقولة ومنطقية وفيها حكمة، وفيها بالخصوص ترفُّع عن الدخول في جدال مع الفلول الآفلة نحو نهايات وبيلة. فليس من فلول بشار يتعلم المرء الخوض في قضية قومية، والتاريخ شاهد. يكفي الآن أن يتوقف نظام سوري عن قتل الفلسطيني باسم تحرير فلسطين. حديث المرأة الخرقاء التي تركت زوجها مسجى ممدودا، وذهبت تندب جارها مسعود، لا يتوافق مع الذكاء السوري فيما عرفنا عنه، وقد عرفنا القليل.
وما تأويل الإشارات التطبيعية؟
إن قراءتها كإشارات تطبيع هو وقوع في الفخ الذي أشرنا إليه أعلاه. لقد صدر موقف رسمي سوري بوجوب العودة إلى حدود الهدنة، ولم يصدر ما ينقضه. والعدو في الجهة المقابلة ليس نبيلا يفهم أو يتفهم. كل ما جمعناه من أخبار يدور حول المنطقة المحتلة حديثا، والطلب هو الإخلاء والعودة إلى حدود الهدنة.
النظام الجديد يخضع لضغط وابتزاز من مطبّعين عرب، ومن الأمريكي خصوصا الذي وضع مبعوثا فوق الدبلوماسية من أجل هذه الغاية. ولقد عومل المبعوث بتقدير أو مداراة، فُهمت على أنه يأمر وينهى في سوريا. كيف يمكن رد الابتزاز بغير حرب؟ هل على السوري أن يتبع طريقة القذافي؟ نحن نتذكر ما فعله القذافي بنفسه وبثوريته، فجولة واحدة من الطيران كانت كافية ليسلّم سلاحه في سفينة ويدخل في حجره كالخلد. وجب التذكير ثانية، فلول القذافي وفلول بشار صف واحد وصوت واحد.
هل سيعيد التفاوض الأرض المحتلة؟ دروس أوسلو علّمتنا أيضا أن هذه من الأماني، لكننا في الوقت ذاته لا نعلّم السوري الثورية، فهو أعلم بها وقد أسقط نظاما لا مثيل له في دمويته. لذلك، نتوقع أنه بحديث التفاوض حتى في أذربيجان يربح الوقت ليرمم صفوفه، والوقت أكثر ما تحتاج إليه سوريا مهما كان لون قيادتها، وسيصل إلى حقيقة يعرفها أنه إزاء عدو لا يرعوي، لكنه سيكون في وضع يسمح له بالدفاع عن أرضه. وسيكون موت السوريين هذه المرة من أجل بلدهم، وفي معركة مماثلة سيربح الفلسطيني، وإن لم تكن الحرب باسمه أو من أجله، فسوريا محررة تعني الكثير في المنطقة وفي الإقليم. لهذا السبب نحسن الظن بالسوريين شعبا وقيادة، ونراهم يناورون بذكاء خاص بهم، إنهم يحسنون إلى بلدهم وإلى ثورتهم.
ونعدل خاتمة القول، وقد قصفت دمشق إنسان عين كل سوري غيور. لقد رأينا حبهم لعاصمتهم، وكنا نكتفي منهم بغزل في بردى، هؤلاء قوم لا يطبّعون مع من يقصف دمشق، ومن تجاهل ذلك أو جهله لن يعرفهم، وسيظل يلقي عليهم قولا بلا سند. لم تُقصف القاهرة، رغم ذلك لم يطبّع الشعب المصري، ولم تُقصف عمّان، ولكن لم يطبّع الأردنيون، فما بالك بمن قُصفت عاصمته وقيادة أركان جيشه الوليد جيش التحرير وبناء السيادة، وطيران العدو لا يزال في سمائه؟ هل القيادة معزولة عن روح شعبها؟ غبي ذلك السياسي الذي تسول له نفسه التطبيع متجاهلا حب الشوام للشام.
