“الملثم” يُملي شروطه على إسرائيل

أبو عبيدة الناطق باسم "كتائب القسام" الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"
أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" (غيتي)

بعد غياب طال لأكثر من أربعة أشهر، ظهر أبو عبيدة، الناطق باسم كتائب القسام؛ الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في تسجيل مصور، مرتديا زي الجنود الأخضر المموه، وملثما بكوفيته الحمراء التي أصبحت أيقونة فلسطينية عابرة للخرائط والحدود، ورمزا لمقاومة الظلم في كل مكان على وجه الأرض.

في التسجيل، أرسل “الملثم” رسائل سياسية بالغة الأهمية والحسم إلى جميع الأطراف، وعلى رأسها العدو الصهيوني، الذي نجحت المقاومة في محاربته نفسيا، أو بغير مبالغة، في هزيمته نفسيا، سواء من خلال صمودها الأسطوري، رغم جرائم الحرب الوحشية في غزة، أو عبر خطابها الإعلامي الذي يتقن اللعب على متناقضات المجتمع الإسرائيلي، ويضغط على جروحه ومخاوفه النازفة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

في الكلمة، شدد أبو عبيدة، الذي تؤكد تقارير صحفية عبرية أنه يحظى في أوساط الإسرائيليين بمصداقية تفوق مصداقية مجرم الحرب نتنياهو، على جاهزية المقاومة لحرب استنزاف طويلة، ما لم يتم التوصل إلى هدنة، ملوّحا بأن كتائب القسام قد تنسحب من المفاوضات إذا استمرت المماطلة الإسرائيلية، ولن تقبل بصفقة جزئية.

هكذا يضغط أبو عبيدة على المجتمع الإسرائيلي، والجيش الذي انتشرت في أوساطه حالات الانتحار والأمراض النفسية، وشرع قادته وضباطه وجنوده يتذمرون من خوضهم حربا بلا أفق سياسي، ولا تلبي إلا أطماع نتنياهو في الإفلات من الملاحقات القضائية، على خلفية تورطه في جرائم فساد.

لهجة حاسمة ورسائل سياسية مباشرة تزيد الضغط على حكومة نتنياهو المأزومة، وترفع بالتوازي الروح المعنوية للمرابطين على الثغور، كما تستجلب احترام الأحرار في العالم، ممن صاروا يوقرون شعبا يكابد أبشع جرائم التطهير العرقي، صابرا صامدا ومتشبثا بترابه الوطني كجذور الزيتون.

هزيمة إسرائيل في الحروب الطويلة

المعلوم بالضرورة أن إسرائيل لا تميل إلى الحروب الطويلة، وفي ذلك يقول الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته عن حرب أكتوبر “الجيش الإسرائيلي لا يستطيع تحمُّل حرب طويلة، قوته الحقيقية تكمن في حرب خاطفة، مبنية على عنصري المفاجأة والتفوق الجوي”، ويمضي في تأويل ذلك موضحا أن إسرائيل لا تملك عمقا استراتيجيا، ومجتمعها واقتصادها لا يتحملان الاستنزاف لفترة طويلة.

كما يقرر وزير الدفاع المصري الأسبق محمد فوزي، في مذكراته الموسومة “حرب الثلاث سنوات”، أن إسرائيل تملك القدرة على إشعال الحرب، لكنها لا تقدر على تحمُّل تبعاتها وقتا طويلا.

على هذا الأساس، فإن التلويح بحرب استنزاف مفتوحة يضغط على هواجس دولة الاحتلال، التي كانت تقديراتها حين شنت حرب الإبادة على غزة، أن حسمها لن يستغرق أكثر من أسابيع، ولكن خابت تلك الحسابات، أمام بسالة رجال المقاومة الذين ما زالوا بعد 650 يوما يجترحون المعجزات، ويصطادون جنود الاحتلال وهم داخل دباباتهم “الميركافا”، وعرباتهم المدرعة من المسافة صفر.

إلى جانب ذلك، تعمَّد أبو عبيدة أن يكشف نتنياهو أمام المستوطنين، أو بتعبير أدق أن “يسلّمه إليهم”، إذ قال حرفيا “إن كتائب القسام عرضت مرارا، خلال الأشهر الماضية، إبرام صفقة شاملة، يتم بموجبها تسليم جميع أسرى الاحتلال، لكن حكومة نتنياهو رفضت ذلك”، مضيفا “اتضح لنا أن حكومة العدو ليست معنية فعليا باستعادة جنودها الأسرى، وهو ما يثبت تخليها عنهم”.

عبارة ستزلزل الأرض تحت أقدام مجرم الحرب الإسرائيلي، الذي يشن ذوو الأسرى هجوما ضاريا على سياساته، ويلاحقونه بالشتائم أينما ذهب، ويتهمونه بأنه يبيع حياة أبنائهم للحفاظ على مقعد السلطة، ومن أجل ألا يخسر لقبه المحبب “ملك إسرائيل المتوَّج”.

الأكثر تأثيرا من ذلك، أن الناطق باسم القسام هدَّد بتغيير استراتيجية المقاومة، فمقاتلو القسام سيشرعون في تنفيذ عمليات نوعية لأسر مزيد من الجنود الصهاينة، عوضا عن قتلهم، وهو تهديد أخذته الصحافة الإسرائيلية على محمل الجد، وما من شك في أنه سيبعثر أوراق الائتلاف اليميني الإسرائيلي الحاكم، فمزيد من الأسرى يعني المزيد من الفشل في تحقيق أي هدف للحرب، ويعطي المقاومة وزنا تفاوضيا أثقل، بما يزيد تعقيد الموقف المعقد على نتنياهو والذين معه.

ومن نافلة القول أن ملف الأسرى يشكل دائما صداعا في رأس الاحتلال، فالأسير عبء لا ينتهي، عكس القتيل الذي يُسدل الستار عليه بجنازة رسمية، تُلقى فيها عبارات التأبين، ثم تُطوى سيرته إلى الأبد.

المقاومة التي شهد العدو ببسالة رجالها

والحقيقة أن تهديد “أبو عبيدة” بأسر المزيد من جنود العدو لا يأتي من فراغ، وليس مجرد “جعجعة” أو “طق حنك”، كما يقول الشوام، فالواقع الميداني على الأرض يثبت أن مقاتلي القسام، رغم الهوة الهائلة في العتاد، ورغم المجاعة التي يكابدها الغزيون، لا يزالون قادرين على الاشتباك بكثافة مع العدو، من أقصى شمالي قطاع غزة إلى جنوبه، الأمر الذي يفاجئ الجنود الإسرائيليين، ويدفع بالتزامن محللين صهاينة إلى الاعتراف ضمنيا بجرأة المقاومين الفلسطينيين وجسارتهم على خطوط التماس.

ثلاث رسائل إذَن أرسلها أبو عبيدة إلى إسرائيل: أولا أن المقاومة متأهبة لحرب استنزاف طويلة، وثانيا أن المماطلة الإسرائيلية قد تدفعها إلى الانسحاب من المفاوضات، وثالثا أن استراتيجية المقاومة القتالية بصدد التغيير، لتركّز على أسر الجنود الصهاينة عوضا عن قتلهم. فهل هذه رسائل مهزوم؟

تبتكر المقاومة الفلسطينية منذ اندلاع طوفان الأقصى معاني جديدة للنصر، فالمسألة ليست بأعداد القتلى، وليست بكمّ القنابل، وليست بالقدرة على صناعة الخراب، لكنها بالإيمان العميق بقدرة الحق على إزهاق الباطل.

في رسائل “أبو عبيدة” يتجلى ذلك، رغم ما بدا عليه جسديا من هزال وضعف، من جراء حرب التجويع الإسرائيلية، ليجسد بمظهره ونبرته المتحدية معا، واقع غزة المنهكة، دون أن تفقد إيمانها بعدالة نضالها وحتميته.

منذ بداية العدوان الإسرائيلي، يتسم الأداء الإعلامي لحركة حماس بالرصانة والنضج ورباطة الجأش، ويعرف كيف يستثمر الصمود الفلسطيني على الأرض، ويضغط على مواطن الضعف في المجتمع الإسرائيلي، ويستوفي مهمة إجلاء الصورة أمام العالم بأسره: هنا شعب يريد الحياة، ولن يتنازل عن إرادته، وهذا في حد ذاته انتصار ليس هينا.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان