بن غفير.. هل المشكلة في أصوله العربية؟!

بن غفير (غيتي)

في قلب المشهد السياسي الإسرائيلي، يبرز “إيتمار بن غفير” كواحد من أخطر الشخصيات المتطرفة التي وصلت إلى مراكز صنع القرار.
هذا الوزير ذو الأصول العراقية-الكردية، المولود في 6 من مايو 1976 في مستوطنة “مفسيرت تصيون” بالقدس المحتلة، يمثل نموذجًا صارخًا للتناقض بين الجذور والمواقف، حيث تحول من ابنٍ لأسرة عربية إلى أحد أكثر المنظّرين للكراهية ضد العرب تطرفًا.

وتبدأ قصة “بن غفير” السياسية في سن السادسة عشرة، عندما انخرط في حزب “كاخ” المحظور، الذي أسسه الحاخام المتطرف مائير كاهانا، المصنّف كإرهابي حتى من قِبل الولايات المتحدة، ورفض الجيش الإسرائيلي تجنيده بسبب سجله المشبوه؛ لكن هذا لم يثنه عن مواصلة مسيرته المتطرفة.
بدأ عمله السياسي مستشارًا إعلاميًا للنائب المتطرف ميخائيل بن آري، ثم متحدثًا باسم “الجبهة الوطنية اليهودية”، قبل أن يصل إلى الكنيست عام 2021.
وفي انتخابات 2022، قاد بن غفير حزب “عوتسما يهوديت” (القوة اليهودية) الكاهاني إلى الفوز بـ6 مقاعد، ليصبح وزيرًا للأمن القومي في حكومة نتنياهو.

سجل حافل بالتحريض والعنف


وعلى مدى حياته السياسية، واجه بن غفير أكثر من 50 لائحة اتهام، منها 8 إدانات جنائية تتعلق بأعمال شغب، والتحريض على العنصرية، ودعم منظمات إرهابية.
والمفارقة الصارخة تكمن في أنه، مع هذا السجل الإجرامي، استمر في ممارسة المحاماة، متخصصًا في الدفاع عن يهود متهمين بالإرهاب، مما يوضح التناقض الصارخ في مسيرته بين تطبيق القانون وانتهاكه.

ما إن اندلعت الحرب على غزة، حتى أطلق بن غفير العنان لأبشع خطاب تحريضي. فتصريحاته لم تترك مجالًا للتأويل: “الحل هو إحراق غزة بكل ما فيها”، ووصف الفلسطينيين بـ”الوحوش” الذين “لا يستحقون لقب مدنيين”، ومعارضته لأي مساعدات إنسانية تحت شعار “لا توجد دولة تطعم عدوها”.
لكن الأخطر كان ترويجه لفكرة التهجير القسري تحت مسمى “الهجرة الطوعية” إلى دول مثل الكونغو، وهي أفكار ترقى إلى جرائم حرب بموجب القانون الدولي.

لم يقف عداء بن غفير عند حدود معارضة أي تهدئة، بل تجاوزه إلى تهديدات مباشرة بإسقاط الحكومة إذا قبلت بوقف إطلاق النار، ووصف أي مفاوضات بـ”الاستسلام”، وعمل على عرقلة أي صفقة لتبادل الأسرى بحجة منح الشرعية لحماس.
بل إن خطاب الكراهية امتد ليشمل دعوته الصريحة لاغتيال الرئيس السوري أحمد الشرع، مما دفع دولًا مثل: سلوفينيا لفرض عقوبات شخصية عليه.

تحالف المتطرفين


في علاقته بنتنياهو، يشكّل بن غفير العمود الفقري لتيار التطرف داخل الحكومة، بينما يستخدمه رئيس الوزراء كورقة ضغط دولية.
وهذا التحالف المشبوه يغذي آلة الحرب والإبادة في غزة، ويقدم غطاء أيديولوجيًا للفظائع اليومية.
ووجوده في منصب حساس مثل وزارة الأمن القومي يحفّز الجنود على مزيد من الوحشية، ويبرر للمستوطنين انتهاكاتهم في الضفة الغربية، ويهدد أي أفق للسلام في المنطقة.

بن غفير اليوم ليس مجرد سياسي، بل أصبح تجسيدًا حيًا لتحول إسرائيل إلى دولة عنصرية تقوم على منطق الإبادة والتطهير العرقي.
وصعوده يعكس أزمة عميقة في المشروع الصهيوني، تهدد ليس فقط مستقبل الفلسطينيين، بل استقرار المنطقة بأسرها.
وصوته الذي يعلو في أروقة السلطة هو جرس إنذار للعالم لمواجهة هذا التطرف الآن، أو الاستعداد لعواقب أكثر كارثية في المستقبل.

وفي وقت تتصاعد فيه الأصوات الدولية المنددة بجرائم الحرب في غزة، يبقَى بن غفير شاهدًا على عمق الأزمة الأخلاقية التي تعيشها الدولة الإسرائيلية ومؤسساتها.
فتحوله من متطرف هامشي إلى صانع قرار يوضح المسار الخطِر الذي تسلكه إسرائيل تحت حكم اليمين المتطرف، مسار يهدد بإطالة أمد الصراع، وإغراق المنطقة في دوامة جديدة من العنف والدمار.

تأثير بن غفير على السياسة الإسرائيلية


تعود جذور فكر بن غفير إلى الأيديولوجيا الكاهانية التي تتبنى مفهوم “إسرائيل الكبرى” من خلال التطهير العرقي للسكان الفلسطينيين.
وهذه الأيديولوجيا العنصرية، التي تم حظرها في إسرائيل نفسها عام 1994، وجدت في بن غفير أحد أبرز ممثليها المعاصرين.
وما يثير القلق أن هذه الأفكار التي كانت تعتبر متطرفة، أصبحت الآن جزءًا من الخطاب السياسي الرسمي.

يتمثل تأثير بن غفير في ثلاث نقاط رئيسية:
أولًا: تحويل الخطاب المتطرف من الهامش إلى مركز السياسة الإسرائيلية،
ثانيًا: توفير غطاء أيديولوجي للممارسات العنصرية ضد الفلسطينيين،
ثالثًا: إعطاء شرعية للعنف المفرط ضد المدنيين تحت مسمى “مكافحة الإرهاب”.
وهذا التأثير لا يقتصر على السياسة الداخلية، بل يمتد إلى العلاقات الدولية لإسرائيل.

أثارت تصريحات بن غفير ردود فعل دولية واسعة؛ ففرضت سلوفينيا عقوبات شخصية ضده. وبينما حذرت دول أوروبية أخرى من التعامل معه، وصفته منظمات حقوق الإنسان علنًا بأنه “متطرف عنصري”، بينما تعتبره بعض التحليلات السياسية “أحد أكبر التهديدات للسلام في المنطقة”.
ومع ذلك، يبقَى السؤال: هل تكفي هذه الإجراءات لمواجهة خطورة أفكاره وتأثيره؟

صعود المتطرفين


يشكّل صعود شخصيات مثل: بن غفير إلى السلطة ناقوس خطر لمستقبل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بعد تحوّله من مجرد متطرف هامشي إلى صانع قرار، وهو يؤدي إلى تفاقم العنف، وزيادة معاناة المدنيين.

إن وجود بن غفير في وزارة الأمن القومي الإسرائيلي ليس وصمة عار على إسرائيل فقط، بل هو خطرٌ يهدد المنطقة كلها.
فخطابه التحريضي يدفع الصهاينة إلى مزيد من الوحشية، ويبرر للمستوطنين انتهاكاتهم في الضفة الغربية.
وأصوله العراقية-الكردية جعلت كراهيته للعرب والفلسطينيين أكثر بشاعة، كأنه ينتقم لماضيه الشخصي، أو يثبِت ولاءه المريض للمشروع الاحتلالي.

بن غفير هو تجسيد حي لتحوّل الصهيونية إلى أيديولوجيا عنف عنصري متطرف، ووجوده رسالة على أن الكيان يختار طريق الحرب الأبدية على حساب مستقبل أي سلام.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان