حين تصبح الثقافة “وظيفة حكومية” بلا جمهور

لا توجد إحصائية دقيقة توضح مؤشرات القراءة (الأناضول)

لا شك أن الدول العربية تعاني الآن محنة ثقافية عظيمة تهدد هويتها، وتزعزع تماسكها، وتعبث ببوصلتها، وتنعكس على واقعها السياسي والاجتماعي، بدليل ما يحدث للمجتمعات العربية من ردة إلى الطائفية والقبلية والمذهبية.

وسبب ذلك في رأيي هو الجمود والارتباك والتخبط والفساد الذي سيطر على مفاصل المشهد الثقافي العام، خاصة في ظل واقع عالمي منزوع الحواجز، يشهد ثورة في وسائل التعبير والنشر والتواصل.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وبطبيعة الحال، لم يكن غريبا ما حدث أخيرا في مصر من رفض جماهيري واسع، ترتب على إعلان تشكيل المجلس الأعلى للثقافة، ولك أن تتخيل أن مصر، التي لديها 41.3 مليون شاب مستخدم نشط على منصة “تيك توك” (ترتيبها التاسع عالميا)، قد تم تشكيل المجلس المسؤول عن ثقافتها من 29 شخصا يزيد متوسط أعمارهم عن 75 سنة، ويصل سن بعضهم إلى تسعين عاما.

وبحساب بسيط، يمكنك معرفة أن مجموع أعمار الجالسين على منضدة اجتماعات المجلس الأعلى للثقافة لن يقل عن 2100 عام، وبالطبع يحق للكثيرين توقع غياب المرونة والحيوية الثقافية، وافتقاد القدرة على التعامل مع المتغيرات الحديثة التي تجاوزت الكتاب الورقي، وامتدت إلى الهواتف المحمولة ومنصات “تيك توك” و”بودكاست” و”يوتيوب” وغيرها من المنصات والوسائل.

ولكن لا بد من الإشارة إلى أن واقعة تشكيل المجلس الأعلى للثقافة هي مجرد عرض لأمراض مزمنة أكبر، تخص الانفصال عن الواقع والتيبس والجمود والشيخوخة التي أصابت الواقع الثقافي المصري والعربي، وهذا الأمر مهم وخطير، فكما يقول الروائي الفذ نجيب محفوظ “الثقافة هي المجال الوحيد الذي يمكن أن تتحقق فيه الوحدة العربية عبر الكُتاب والأدباء”.

صحيح أنه قد ولى عهد الوحدة الثقافية الكاملة، الذي تحققت فيه على الأرض مقولة “القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ”.
ولكن ماذا إذا فقدت الشعوب العربية ثقافتها الجامعة وأرضيتها المشتركة من القيم والمعتقدات والسلوكيات والأخلاق والفنون والتقاليد والمعارف التي تميز مجتمعاتنا عن غيرها؟

تحويل مكب النفايات إلى مكتبة


لا بد أن نعترف بأن المؤسسات الثقافية الرسمية قد فقدت القدرة على التواصل مع الأجيال المفترض استهدافها بالتثقيف، واقتصر دورها على توفير الرواتب والفرص لموظفيها في المقام الأول، وهو ما ترتب عليه محاصرة وإزاحة وتهميش عملية الثقافة والإبداع والمبدعين.

والمؤسف أكثر أن المؤسسات غير الرسمية التي كانت بديلا ورافدا مهمّا من روافد الثقافة، وأداة من أدوات التثقيف، انقسمت بين من هو عاجز عن الاستمرار ومن تخلى عن الدور التنويري تماما، وأصبح هدفه الأول والأخير هو الربح دون أي قيم مضافة.

أيضا لا بد من الاعتراف بأن الإنترنت ومنصات النشر والتواصل الاجتماعي قد فشلت جميعها في احتواء وتقديم مصادر الثقافة العربية للشباب، بل وكأن هناك عداء ومحوا كاملا لما أنتجته الحضارة العربية والإسلامية من منجزات مادية ومعنوية.

فعلى الرغم من حجم الإقبال الواسع من الشباب على وسائل التواصل واعتبارها قِبلة للنشر والتعبير والتثقيف، فإن المحتوى الثقافي الجاد أصبح نادرا وغريبا في ظل أمواج التفاهة والسطحية والترفيه المجرد الذي يُغرق كل المنصات.

واستنادا إلى ما سبق، على النخب العربية -وفي القلب منهم صناع القرار- إذا كانت لديهم رغبة حقيقية في النهوض بالثقافة من كبوتها، أن يتيحوا مصادر الثقافة الحقيقية وينشروها بقوة، سواء عبر الوسائل التقليدية أو عبر الفضائيات والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

كما لا بد من مواجهة الواقع الخوارزمي المضاد، الذي يقدّم طوفانا من المحتوى الترفيهي السطحي، وذلك بنقل مصادر الثقافة وتبسيطها وطرحها بما يتلاءم مع كل وسيلة تواصل منتشرة.

ولا مانع من تعبير الشباب عن مواهبهم الفنية والأدبية، ولكن على العقلاء توفير التوازن المطلوب بنشر المواد الثقافية المختلفة حتى يمكن إنقاذ أكثر من 100 مليون نسمة من الشباب العربي الغارق في هراء تلك المنصات، ولا يأتي ذلك إلا بمحاولة تحويل مكب النفايات الكبير، الذي يديره بعض المراهقين، إلى مكتبة نافعة.

الضبابية ومؤشرات القراءة


يقول الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير “سئلت عمن سيقود الجنس البشري؟ فأجبت: الذين يعرفون كيف يقرأون”.

كل الدلائل والشواهد والإحصائيات المتناثرة تشير إلى أن نسب القراءة في مصر والوطن العربي متراجعة ومتدنية تماما، بل ومخجلة إذا خضعت للمقارنة مع الدول الغربية والعديد من الدول الآسيوية.

ويعود سبب عدم الاستعانة بإحصائية بعينها هنا إلى أنه لا تتوفر للأسف مؤشرات قراءة جادة أو حتى غير جادة في العالم العربي، كما لا توجد تقارير دقيقة ترصد الحالة القرائية لدى المواطنين في كل دولة عربية، كما هو مفترض أن يكون.

وبالطبع، هذا يعكس عشوائية المشهد الثقافي وضبابيته وفقره في الوقت ذاته، فكيف يستطيع صناع القرار والنخب على المستوى الثقافي فهم أبعاد الصورة دون معرفة تفاصيل الحالة القرائية، ليس على مستوى الدولة بل على مستوى كل إقليم وكل محافظة؟

ولقد ضاعت جهودي هباء في محاولة التوصل إلى إحصائية دقيقة توضح مؤشرات القراءة في مصر أو في الوطن العربي، ولم أجد إجابة شافية، سواء في تقارير اليونسكو أو حتى لدى تقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وهي تلك الهيئة التي اهتمت بعمل إحصاءات في كل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وتجاهلت تماما القطاع الثقافي، ولا غرابة في ذلك، فوزارة الثقافة نفسها، التي تمتلك جيوشا من الموظفين، لم تُقدم على أي خطوة لقياس مؤشرات القراءة، وكان أولى بها أن تفعل، فهي الأكثر احتياجا إلى تلك المعطيات.
كما أنها لم توجّه أيضا لعمل تقارير سنوية متتابعة ودقيقة لرصد حالة النشر وتفاصيلها، من أعداد الكتب الصادرة أو المترجمة مع بيان أنواعها وأعداد نسخها وطبعاتها.

كيفية استعادة الذاكرة


لا يختلف أحد على أن أبسط أدوار الدولة هو تنشيط ذاكرة مواطنيها الثقافية، خاصة في واقع اقتصادي تسبب لدى الكثيرين في محو تلك الذاكرة تحت وطأة الزحف اليومي المقدس تجاه لقمة العيش.

ولذلك، من مهام الدولة نقل الثقافة عبر الأجيال والحفاظ على السمات المشتركة لشعبها، التي تشمل اللغة والدين والعادات والفنون والأدب والقيم الاجتماعية، بالإضافة إلى رعاية حركة الترجمة.
كما يجب عليها معالجة ارتفاع نسبة الأمية، وتنمية عادة القراءة لدى الأفراد منذ الصغر، وبث حملات تحث المتعلمين على القراءة، كما يجب توفير الكتب بأسعار مخفضة، إضافة إلى دعم حركة النشر وضمان حماية الملكية الفكرية.
كما لا بد من خفض معدل الضرائب ورسوم الجمارك على مستلزمات الكتاب، إضافة إلى رعاية معارض الكتاب، ووضع الضوابط اللازمة التي تضمن فعالية الرسالة وعدم امتهانها.
كما لا بد للدولة من إنشاء المكتبات العامة بما يتوازن مع عدد السكان، بالإضافة إلى توفير الميزانيات المناسبة لشراء الكتب في المكتبات المدرسية والجامعية والمراكز الثقافية والنوادي.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان