نهاية الاستثناء الإسرائيلي: هل آن أوان المراجعة؟

نتنياهو يحاول ضمان استمرار الائتلاف الحكومي في حال التوصل لصفقة لوقف الحرب
نتنياهو (رويترز)

منذ نشأتها عام 1948، احتلت إسرائيل موقعًا استثنائيًّا في السياسة الدولية، وظلّت تُعامَل وفق معايير لا تُطبّق على غيرها من الدول. وقد حظيت بغطاء سياسي ودعم غير محدود من القوى الكبرى على كافة الأصعدة، وحصانة دبلوماسية مكّنتها من تثبيت مشروعها الاستيطاني في قلب المنطقة العربية دون محاسبة حقيقية على تجاوزاتها وانتهاكاتها التي تخطّت الأعراف والمواثيق الدولية.

وفي ظل ما تشهده المنطقة اليوم من تصعيد غير مسبوق في غزة وسوريا ولبنان، يُعاد طرح أسئلة جوهرية طالما جرى تهميشها لزمن طويل: هل ما زال الاستثناء الإسرائيلي مبرَّرًا؟ وهل آن أوان مراجعة جادّة لموقع هذا الكيان المحتل في النظام الدولي؟

مقاربة جذرية لتفكيك المشروع الصهيوني

في هذا السياق، فإن المشهد الملتهب في المنطقة نتيجة الممارسات الإسرائيلية، يقود نحو طرح رؤية تتجاوز منطق حل الدولتين، والسلام المرحلي، وذلك من خلال مقاربة أكثر جذرية لتفكيك المشروع الصهيوني السياسي بوصفه مشروعًا استعماريًّا إحلاليًّا غير قابل للتعايش معه، ولا بد من تفكيكه سياسيًّا وقانونيًّا، وهو ما يفرض إعادة التفكير في حدود الممكن السياسي والاستراتيجي.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

فهل ما تقوم به إسرائيل اليوم من دمار ممنهج واستهداف للمدنيين، وتوسّع جيوسياسي على أكثر من جبهة في فلسطين وسوريا ولبنان، هو دليل على حتمية مراجعة الاستثناء الإسرائيلي؟ وهل أصبح الظرف الدولي مهيّأً لطرح مثل هذه الأسئلة التي كان يُنظر إليها باعتبارها محظورة أو غير واقعية؟

إن إسرائيل ليست دولة طبيعية ظهرت نتيجة تفاعل تاريخي، بل هي كيان وظيفي زرعته القوى الاستعمارية في لحظة تاريخية كخنجر في خاصرة الأمة، بهدف تفتيت العالم العربي، وضمان تفوّق استراتيجي دائم للغرب في المنطقة.

ولذلك، فإن أي تسوية للصراع تقود إلى الاعتراف بإسرائيل كما هي، تُعدّ تسوية مع ظلم تاريخي.

إن مواجهة الظلم التاريخي الذي يمثّله المشروع الإسرائيلي يحتاج إلى تفكيك البنية القانونية والسياسية التي جعلت من إسرائيل دولة عنصرية دينية، غير قابلة للمساءلة، وتُبقي الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال والحصار الدائم.

يرى بعض المفكرين العرب أن عملية تفكيك البُنى القانونية والسياسية للاحتلال الإسرائيلي لها أمثلة تاريخية، أبرزها النظام العنصري في جنوب إفريقيا.

هذا التفكيك يجب أن يتم مع ضمان العدالة والمساواة لجميع سكان فلسطين، ومنهم اليهود الذين يعيشون في فلسطين تاريخيًّا، عبر إجراء تحت قيادة فلسطينية من داخل بنية الدولة التي كانت تحت الاحتلال.

بين غزة وسوريا ولبنان والمشروع الكوني

في غزة، ما زالت إسرائيل تواصل مجازرها حتى لحظة كتابة هذه السطور، وتقتل يوميًّا العشرات من المدنيين، بينهم الكثير من الأطفال والنساء والشيوخ.

في 17 يوليو/تموز 2025، قصفت إسرائيل كنيسة “العائلة المقدسة” في غزة، مما أدى إلى مقتل ثلاثة مدنيين، بينهم طفلتان، وإصابة قس كاثوليكي إيطالي الأصل. تزامن ذلك مع غارات أخرى أودت بحياة أكثر من 93 مدنيًّا في يوم واحد، بحسب وكالة “أسوشيتد برس” وتقارير منظمة الصحة العالمية.

المثير في الأمر، أن هذه العمليات لم تكن بغرض استهداف عناصر مقاومة أو غير ذلك، بل تمت في أحياء سكنية، ومدارس، ومرافق طبية، وهو ما يعني أنه “نمط ممنهج لإبادة مدنية تدريجية”، بحسب ما وصفته منظمة العفو الدولية.

تبرهن الوقائع على أن إسرائيل جعلت من غزة مختبرًا دمويًّا لإعادة إنتاج السيطرة؛ إذ لا تسعى فقط لتدمير المقاومة المسلحة، بل تعمل على تجفيف البيئة الحاضنة، وإنهاك الفلسطينيين، ضمن استراتيجية إخضاع شامل لا تُبقي مجالًا للحياة.

في سوريا، دخلت إسرائيل طرفًا مباشرًا في معادلة الصراع، بعد أن كانت لاعبًا خفيًّا. ففي 16 يوليو/تموز 2025، نفذت غارات على مواقع في العاصمة دمشق وريف السويداء، بدعوى حماية الطائفة الدرزية من اشتباكات داخلية، وفقًا لتقرير “رويترز”.

لكن خلف هذا التدخل المباشر، تكمن أهداف استراتيجية، حيث تسعى إسرائيل إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السورية الجنوبية، عبر إضعاف الدولة المركزية، وتعزيز ولاءات طائفية قابلة للضبط والاختراق. وهنا تتأكد حقيقة استراتيجية: أن إسرائيل تسعى دوما لتحطيم الدول من حولها، وتحويل محيطها إلى فسيفساء طائفية متناحرة، بما يجعل وجودها أمرًا مقبولًا، بل ضروريًّا في نظر القوى الكبرى.

على الساحة اللبنانية، تنتقل إسرائيل من عقيدة “الردع” إلى استراتيجية أكثر تعقيدًا تعتمد الهندسة الديموغرافية والسياسية.

ففي منتصف يوليو 2025، قصفت إسرائيل مناطق في سهل البقاع وصيدا وضاحية بيروت، وأدّت الغارات إلى نزوح جماعي في الجنوب، واستشهاد عشرات المدنيين.

وبحسب تقارير “الغارديان” البريطانية، فإن هذه العمليات تستهدف تغيير الواقع السكاني على الأرض، لخلق “منطقة رمادية” لا تصلح أن تكون حاضنة للمقاومة، وتحويل الحدود إلى حاجز جغرافي ونفسي دائم.

الوقائع تؤكد أن إسرائيل لا تسعى لمجرّد تحقيق الأمن، بل هي مشروع يعيد هندسة المحيط وفق مصالحه، وإن اقتضى ذلك تدمير دول أو تفريغ مناطق كاملة من سكانها، بغرض خلق “هامش حيوي استراتيجي” يُبقيها متفوّقة على كل من حولها.

إن إسرائيل لا تكتفي بتقديم نفسها كملاذ آمن لليهود، بل تطمح لأن تكون الدولة المرجعية ليهود العالم. وهنا، فإن الدولة اليهودية ليست مفهومًا داخليًّا، بل مشروع كوني يخترق المؤسسات الدولية، ويعيد تعريف العلاقات بين الشرق والغرب.

هذا يفسّر لنا الدعم غير المشروط -سياسيًّا وإعلاميًّا وعسكريًّا- لإسرائيل من الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، رغم الجرائم المثبتة في غزة، حيث ينظر كثيرون إلى إسرائيل باعتبارها نقطة توازن حضاري تمثل الغرب في محيط معادٍ وغير متحضّر.

بالتالي، فإن هذه الرؤية تتطلب تفكيكًا جذريًّا، ليس من باب العداء، ولكن من باب العدالة التاريخية والسياسية.

تفكيك المشروع الصهيوني يتجاوز كونه مسألة تخص الفلسطينيين وحدهم، بل هو صراع عالمي بين مشروع تحرير ومشروع استعماري يتستّر بالدين والقومية.

لماذا مراجعة الاستثناء الإسرائيلي الآن؟

البعض يسأل: لماذا تُطرح فكرة تفكيك المشروع السياسي الصهيوني، ومراجعة شرعية إسرائيل؟ أليس ذلك مجرد حلم نظري، في ظل ظروف سياسية راهنة تجعل الفكرة غير واقعية، أو حتى مستحيلة؟ لكن الواقع ذاته يُشير إلى تحوّل جذري.

تآكلت صورة إسرائيل الأخلاقية بعد توثيق أممي لجرائم ترقى لمستوى الإبادة، واستهداف جيشها للمستشفيات ودور العبادة والمدارس، والصحفيين، ومراكز توزيع المساعدات الإنسانية.

تصاعدت موجة المقاطعة الشعبية في الغرب، حتى داخل الجامعات الأمريكية والأوروبية، وتراجعت شرعية إسرائيل دوليًّا، رغم الحماية السياسية الغربية.

كذلك، تحوّلت القضية الفلسطينية إلى قضية حقوق إنسان شاملة، وليست فقط قضية صراع حدود.

في ضوء ما سبق، تبدو أطروحة مراجعة الاستثناء الإسرائيلي بمثابة خريطة طريق لتفكيك البنية الاستعمارية لإسرائيل، وأقرب إلى مشروع استراتيجي متدرّج، يبدأ بنزع الشرعية السياسية دون المساس باليهود كأفراد، ويتواصل مع ملاحقة قانونية دولية، ومواجهة دبلوماسية، وردع نفسي وتقني، يجعل وجود إسرائيل هشًّا، وشرعيتها مهزوزة، وينتهي بفرض نموذج سياسي جديد يقوم على العدل والمساواة، لا على الحصار والإبادة والهيمنة.

لقد كشفت الأحداث أن المشروع الإسرائيلي لا يزال مشروعًا توسعيًّا، عنيفًا، قائمًا على التفوّق العرقي والسيطرة عبر القوة. وفي هذا السياق، تصبح مراجعة شرعية إسرائيل ليست فقط ممكنة، بل ضرورة إنسانية وأخلاقية وسياسية، تفرضها التحولات الدولية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان