هل معاهدة “برلين – لندن” هي بداية لتحالفات أوروبية جديدة؟

وقّع المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر معاهدة تاريخية في 17 يوليو/تموز من هذا الشهر، تهدف إلى إقامة علاقات أوثق بين بلديهما، تتجاوز حدود الاتحاد الأوروبي، وتضع أسس شراكة استراتيجية جديدة في أوروبا. وتكمن أهمية هذه المعاهدة في أنها جاءت بعيدًا عن الإطار المؤسسي الأوروبي، نظرًا إلى أن بريطانيا، التي خرجت من الاتحاد قبل خمس سنوات، لم تعد ملتزمة بمقرراته.
تعاون دفاعي غير مسبوق
لا شك أن هذه المعاهدة بين قوتين كبيرتين من دول القارة سياسيًّا واقتصاديًّا تفتح الباب أمام تعاون ثنائي متقدم، خاصة في مجالات الدفاع والتسليح، في وقت تعيش فيه أوروبا حالة من القلق المتزايد من التوسع الروسي والتهديدات على حدودها الشرقية. هذا إذا أخذنا في الاعتبار كذلك الاتفاقات الثنائية الموقعة بين فرنسا وألمانيا في مجال الأمن والدفاع من جهة، والزيارة الأخيرة من ماكرون للمملكة المتحدة التي أعلن خلالها عن تقارب كبير في مجال الردع النووي وتنسيق مواردهما في حال وجود تهديد لأوروبا.
يبدو واضحًا من خلال تلك الاتفاقات الثنائية بين دول القارة القوية أنها تريد أن تتخطى بيروقراطية الاتحاد الأوروبي إذا تعرضت القارة لخطر داهم، خاصة أن الحرب الروسية الأوكرانية ما زالت تراوح مكانها، وخطر امتدادها إلى دول القارة ما زال ماثلًا.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
من جهة أخرى، تسعى ألمانيا في عهد ميرتس إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية اعتمادًا على صناعتها المتقدمة في مجال الأسلحة وبناء جيش قوي رُصدت له المليارات، وهي تعرف أن ذلك لن يأتي من الاعتماد على الذات، وإنما من خلال إقامة شراكات مع دول أوروبية لها قدرات دفاعية قوية، مثل بريطانيا وفرنسا. لهذا ركزت المعاهدة على التزام البلدين بتطوير صادرات دفاعية مشتركة تشمل المركبات المدرعة من طراز “بوكسِر”، والطائرات المقاتلة “تايفون”، وبذلك تكون قد تخطت عقبات بيروقراطية كانت تقف في مجال التصدير، إضافة إلى تصميم صواريخ جديدة يصل مداها إلى أكثر من ألفي كيلومتر، وهو أمر مثير للاهتمام، لأنه بلا شك سيزيد من القوة الأوروبية الضاربة.
العودة إلى النسيج الأوروبي
قُوبل هذا التعاون الأوروبي بمزيد من الارتياح في كافة الأقطار الأوروبية، لأنه يعيد بريطانيا إلى دورها الأوروبي بعد خروجها من الاتحاد قبل خمس سنوات، ورأى مراقبون أن هذا التعاون يمثل خطوة كبيرة نحو بناء منظومة ردع أوروبية وأطلسية متقدمة، تعكس تحوّلًا في العقيدة الدفاعية بعد سنوات من التراجع والاعتماد على الحلفاء. كما أن هذا التعاون يعيد وصل ما انقطع بعد البريكست، إذ تُعتبر هذه المعاهدة محاولة لرأب الصدع الذي أصاب النسيج الأوروبي نتيجة خروج بريطانيا من الاتحاد.
شملت المعاهدة أيضًا تعزيز التعاون في ملف الهجرة غير الشرعية، وهو ملف حساس في السياسات الداخلية للبلدين. فقد وافقت ألمانيا، ولأول مرة، على قانون يسمح بمصادرة القوارب المستخدمة في تهريب المهاجرين عبر القناة الإنجليزية، وهو ما اعتبره رئيس الوزراء البريطاني تطورًا كبيرًا في جهود مكافحة الهجرة غير النظامية. كما أعلنت ألمانيا التزامًا تاريخيًّا بعدم تسهيل عمليات الهجرة غير الشرعية إلى المملكة المتحدة.
تنظر الصحافة الألمانية بإيجابية إلى هذه المعاهدة، وترى أنها تمثل انعطافة حاسمة في العلاقات الثنائية، وتفتح صفحة جديدة من الشراكة الحقيقية بين بلدين عملاقين في أوروبا. أما صحيفة تليغراف البريطانية، فقد رأت فيها نواة لتحالف دفاعي جديد يضم برلين ولندن وباريس، في وقت أشارت فيه وكالة رويترز إلى أن الاتفاقية هي الأهم بين البلدين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
شراكة شاملة
لم يقتصر التعاون على الجانب الدفاعي والهجرة، بل امتد ليشمل مشاريع البنية التحتية، والتعليم، والطاقة. فقد اتفقت برلين ولندن على تطوير خطوط السكك الحديدية لربط البلدين مباشرة خلال عشر سنوات عبر نفق القناة، مما يُنهي الحاجة إلى التوقف بسبب إجراءات الجوازات. كما أعلن المستشار ميرتس أن المعاهدة تتضمن تبسيط إجراءات السفر للطلاب من خلال تنظيم رحلات مدرسية جماعية معفاة من التأشيرة، وإنشاء بوابات إلكترونية للبريطانيين القادمين إلى ألمانيا اعتبارًا من أغسطس/آب المقبل، بغرض تسهيل إجراءات الدخول.
في مجال الطاقة، تعهّد البلدان بالتعاون في تأمين مصادر الطاقة عبر بحر الشمال، والعمل على تطوير بنية تحتية للهيدروجين وتخزين ثاني أكسيد الكربون. كما أكد الجانبان التزامهما بدعم أوكرانيا، ليس دفاعيًّا فقط، بل أيضًا من خلال المساهمة في جهود إعادة الإعمار.
يبدو أن المستشار ميرتس طموحٌ إلى أبعد الحدود في تنسيق العمل الأوروبي بعيدًا عن الإطار البيروقراطي للاتحاد الأوروبي، بمعنى التركيز على القوى الأوروبية الفاعلة من أجل إعداد قاعدة أوروبية تنهض بالقارة، التي عانت كثيرًا في السنوات الأخيرة من التراخي في حل مشاكلها، حتى جاء ترامب ونصحها مرارًا وتكرارًا بالقيام بدور فعال في مسألة الأمن، وكان من نتيجة ذلك رفع مخصصات الدول المشاركة في الناتو لتصل إلى 5% من دخلها القومي.
يبدو من تلك الاتفاقية أن قادة دول أوروبا الكبرى عاقدون العزم فعلًا على تغيير وجه أوروبا القديمة، والقيام بأدوار فعالة من خلال التنسيق بينهم في إطار من التحالفات الجديدة.
