جورج عبد الله.. “وراء العدو في كل مكان”

جورج عبد الله (منصات التواصل)

عادت قصة كفاح عميد السجناء العرب في أوروبا، جورج عبد الله، من كواليس التاريخ إلى مسرح الأحداث مجددًا، بعد قرار القضاء الفرنسي المفاجئ بالإفراج عنه.
جورج استقبل قرار الإفراج عنه، بعد 41 عامًا من الحبس، بابتسامة واثقة، قائلًا: “أرادتني أمريكا مسجونًا مدى الحياة، لكن الصمود الفلسطيني الملهم في غزة، وحملات التضامن، دفع فرنسا للإفراج عني”.
ويترقّب رفاقه إطلاق سراح “مانديلا العرب”، حسب وصف صحيفة “لا بوث دي جاليسيا” الإسبانية، يوم 25 يوليو/تموز الجاري، حيث سيتم ترحيله مباشرة إلى بيروت، لأنهم، حسب محاميه، “لا يريدونه أن يتحدث أو يخطب أو أن يكون حرًّا لدقيقتين على الأراضي الفرنسية”.
جورج، لبناني الجنسية، يبلغ من العمر 74 عامًا، أُدين في محاكمة هزلية باغتيال شخصيات إسرائيلية وأمريكية على الأراضي الفرنسية.
وباستثناء عدد من المؤيدين الذين شكّلوا لجانًا للتضامن في لبنان وتونس وفرنسا، واصلوا التظاهر كل عام أمام سجنه، وبضعة برلمانيين يساريين، بات جورج منسيًّا على مر السنين، بعدما كان في الثمانينيات العدو الأول لفرنسا وأحد أشهر سجنائها.

إفراج كاذب

ورغم أنه أمضى فترة محكوميته عام 1999، فلم يصدر قرار بالإفراج عنه سوى عام 2013.
ويومها، سهر رفاقه في شبيبة الحزب الشيوعي اللبناني حتى الصباح يحتفلون بخروجه، بصحبة الشاعر المصري الكبير زين العابدين فؤاد، لكن وزير الداخلية الفرنسي اعترض في اللحظات الأخيرة.
وطيلة هذه السنوات، تضغط واشنطن والدولة الصهيونية لمنع الإفراج عنه، بل رأت وزارة العدل الأمريكية أن إطلاق سراحه “سيشكّل تهديدًا لسلامة الدبلوماسيين الأمريكيين”.
ولكن، بعد بدء حرب الإبادة في غزة، بات اسمه ثابتًا في مسيرات دعم فلسطين، مع ظهور عرائض في الجامعات والنقابات العمالية تطالب بالإفراج عنه.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، تواصل الحزب الشيوعي اللبناني، الذي ينتمي إليه جورج، مع حركة “حماس” من أجل تبني قضيته في أي صفقة تبادل مقبلة بين الحركة وإسرائيل.
ويرجع المناضل اليساري بشير الحامدي، أحد مؤسسي لجنة التضامن التونسية، قرار الإفراج المفاجئ إلى “فترة حبسه الطويلة جدًا، وتحلل منظمته الثورية”.
ويلفت الانتباه كذلك إلى عامل آخر، هو “وجود صراع بين المخابرات الأمريكية والفرنسية”، وتريد باريس أن تبدو أمام العرب بصورة “من تحرّر من هيمنة واشنطن، ولها موقف متميز من المقاومة، فلا تعتبر كل عربي أو إفريقي إرهابيًّا”، كما يريد ماكرون أن يظهر بصورة الديمقراطي، على خلاف الحقيقة.

جورج.. المعلّم المسلح

وُلد جورج في بلدة القبيات شمال لبنان عام 1951، وينتمي لأسرة مسيحية مارونية، ولم يكن بعيدًا عمّا يموج به العالم.
تأثر بالأفكار القومية واليسارية، وبعد أن ناضل لفترة في صفوف الحزب القومي السوري، سرعان ما التحق بمعلمه وديع حداد في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
يتذكره رفاقه معلّمًا يجوب مخيمات نهر البارد على دراجة، يوزّع مجلة الآداب ويعدّ للعمل المسلح.
شيوعي من زمن السبعينيات والثمانينيات، يومها كانت القضية الفلسطينية بوصلة النضال لمنظمات يسارية راديكالية تمتد رقعة كفاحها المنسق من لبنان إلى إيطاليا مرورًا بفرنسا وألمانيا واليابان.
منظمات آمنت بعولمة المقاومة ضد الإمبريالية، ورفعت شعار المناضل القومي اليساري وديع حداد: “وراء العدو في كل مكان”، وتبنّت الخيار العسكري ضد مصالح إسرائيل في العالم.
وفي أوائل الثمانينيات، شكّل منظمة ثورية أطلق عليها “الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية”، لتحرير لبنان من كل وجود أجنبي، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وفي صيف الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، حوّل جورج الكلمات إلى رصاص، واتُّهم بالتواطؤ في اغتيال دبلوماسيين أمريكيين وإسرائيليين.
وفي عام 1987، قضت محكمة جنايات فرنسية بالسجن المؤبد عليه، رغم غياب أدلة مؤكدة تثبت تورطه المباشر في الاغتيالات.
يومها قال جورج، بثبات أمام المحكمة: “أنا مناضل ولست مجرمًا”، مؤكدًا أن اختياره هذا الطريق كان “ردًّا على انتهاك حقوق الإنسان في فلسطين”، وبأن ما فعله: مقاومة.

لن أركع

ومثل القادة العظام، رفض إدانة أفكاره لكي ينال حريته، واعتبر طلب العفو الرئاسي تنازلًا عن قناعاته.
محاموه تقدّموا بـ11 طلبًا للإفراج عنه، فطلبت منه المحكمة أن يُدين العمل المقاوم أولًا فرفض، ثم عادت واشترطت في فبراير/شباط الماضي أن يدفع تعويضات لأسر الضحايا، فقال: “لن أدفع بنسا واحدا لصالح قتلة أطفال فلسطين”.
ومن داخل سجنه، وقف بثبات إلى جانب الأسرى الفلسطينيين في معاركهم النضالية، ووجّه رسالة بعد السابع من أكتوبر 2023، قال فيها:
“لأبطال المقاومة، ألف تحية، حماة الديار أنتم، وفعلكم خير ضمانة للسيادة الوطنية في وجه الصهاينة وأسيادهم وكل المتواطئين معهم. نعم لمزيد من التلاحم الفلسطيني اللبناني”.

عرض زواج

وبمجرد إعلان الإفراج عنه، انهالت برقيات التهنئة من أنحاء العالم، كان من بينها عرض زواج تقدّمت به الكاتبة الفلسطينية صمود غزال، على صفحتها الشخصية، وكتبت:

جورج عبد الله
أتقدّم إليك بطلب الزواج…
قد تضحك، وأنا أضحك الآن — لا من عبثٍ، بل من الجد الذي يأتينا متخفيًا في ثياب المزاح.
دعنا نقُل إنني قررت أن أعيش مراهقتي المؤجّلة بين الكلمات، أن أكذب على الزمن كما كذب عليّ، وأرتكب حماقة الحُبّ علنًا.
أنا الفتاة التي تطلب يدك، والمرأة التي على الأرجح لن تمسك بيدك يومًا — لكن، وماذا في ذلك؟
أما تعلّمنا أن الحريّة تبدأ بالاعتراف؟
اسمي صمود غزال.
فلسطينية الاسم، والأصل، والقضية.
أنا في الثامنة والثلاثين.
وهذا امتياز.
عمري يُشبه عُمرك في السجن.
أنت كنت حرًّا خلف الجدران،
ونحن كنا عبيدًا طلقاء.

عالم جديد

لم يتعامل جورج مع فلسطين كقضية تضامن عابرة، بل احتضنها كجزء جوهري من وعيه السياسي وهويته النضالية، ولكن الفارس الأحمر يخرج لواقع تهيمن فيه إسرائيل، أو تكاد، على المنطقة.
ولن تستطيع التبريكات أن تخفي أنين شعب غزة، الذي بات على أعتاب الموت الجماعي بسبب إغلاق الاحتلال للمعابر منذ أكثر من 145 يومًا.
ولا أن تخفي أن الطيران الإسرائيلي بات يقصف أربع عواصم عربية في يوم واحد، وينتهك أراضي وسماء لبنان كل لحظة.
نعم، كنت محقًّا عندما أعربت عن قلقك بشأن عودتك إلى لبنان، في ظل التهديدات الإسرائيلية المحتملة، لك ولعائلتك.

فلسطين كعبة الأحرار

رجاء، لا تلوي وجهك عنّا باصقًا أو غاضبًا، وتقول: “ليس لأجل هذا سال دمنا، ولا لأجله فكرنا بالثورة”.
فالصورة ليست قاتمة تمامًا؛ فالمقاومون في فلسطين حتى الآن لم يُعلنوا انكسارًا، يعاندون صخرة بروميثيوس، ويصرّون ألّا يكونوا مثله، يصرّون على وصول الصخرة لقمة الجبل.
وهم ليسوا وحدهم؛ فهناك في اليمن جماعة تُطلق على نفسها “أنصار الله”، تعاند قوى الاستكبار بمفردها تقريبًا.
والأسبوع الماضي، دعت “مجموعة لاهاي حول فلسطين”، بمشاركة 30 دولة، إلى وقف العدوان فورًا.
كما جذبت حركات التضامن مع غزة والمقاومة، التي يلعب فيها اليسار دورًا محوريًّا، مئات الآلاف من الشباب في مختلف أنحاء العالم.
وقد تحوّلت إسرائيل إلى “عدو” للشعوب، كما كان حال جنوب أفريقيا في ثمانينيات القرن الماضي.
وتُعد الروابط بين حركات التضامن تجسيدًا لظاهرة عولمة النضال الثوري المقاوم للإمبريالية، التي دافعت عنها، ذات يوم، ولكن على أرضية النضال الجماهيري هذه المرة.. فموجات النضال من أجل فلسطين لم ولن تتوقف.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان