والعام عام جوع!

قتلٌ دون رصاص، وذبحٌ دون سكين، وإعدامٌ بلا مشانق، وقصفٌ للرقاب بلا مقاصل، واغتيالٌ بطيء يتجسد فيه أسوأ استدعاء للشر الكامن في النفس البشرية، حين تتلذذ بالتعذيب والاحتفاء بمشاهدة تزاحم الجوعى في الطرقات المؤدية إلى المنايا.
التجويع هو السلاح الأكثر فتكًا وقسوة في الحرب التي تشنها الدولة الصهيونية على قطاع غزة المنكوب، ليس لأنها تقتل الأطفال والنساء والمرضى والعجائز، فذلك عهدها منذ نشأت في 15 مايو/أيار عام 1948 على أرض فلسطين التاريخية، ولكن لأنها تقتل قبل كل ذلك ضمير العالم أجمع، الذي يكتفي بالمشاهدة دون أن يفعل شيئًا، سوى أحبار على أوراق وخطب رنانة وراء مكبرات جوفاء، وشعور بالقلق لا يسمن ولا يغني من جوع، يستوي في ذلك المنتسبون لأديانه السماوية أو دياناته الوضعية، أو المقيمون في أفكار الملاحدة واللادينيين.
أنات الجوعى في غزة لا تسبب أي وخز لضمير دول العالم الحر، ولا دول العالم الرازح تحت ذل التبعية، ولا تستفز سوى أصوات ضعيفة غير مسموعة، لأنها لا تعبر عن مصالح الكبار، ولأنها تراهن على قيم لم تعد موجودة بيننا، وأصبحت مجرد شعارات محفوظة في كتب الفلسفة ومواثيق حقوق الإنسان، دون أن تجد من يطبقها على أرض الواقع إلا انتقاءً حسب الهوى.
ما يحدث في غزة عارٌ مقيم على الإنسانية في هذا العصر، حيث لا يواجه السكان المنكوبون فقط أزيز الطائرات، ولا عربدة المدافع والدبابات، ولكنهم يُفجعون بأنّات الأطفال حين تخلو الأوعية من الطعام، والبطون مما يقيم الأود، فتصبح أوجاعهم أقسى من زخات الرصاص، وأشد وطأة من ركام المباني المهدمة.
تكنولوجيا الاتصال
لم يعد الحصار متواريًا خلف أسوار مدينة أو داخل أبراج قلعة، بل أصبح عيانًا بيانًا، تنقله الشاشات على الهواء مباشرة، في بث غير حصري لغياب الرحمة عن هذا العالم.
إن الألم الذي يشعر به كل ذي حس في هذا العالم يرجع مباشرة إلى كفاءة تكنولوجيا الاتصال في نقل المأساة الإنسانية التي تجري في غزة، ولم يكن هذا متوفرًا في الحالات المماثلة، فلم تكن وسائل الاتصال والتوثيق بالكفاءة والدقة التي هي عليها اليوم، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن موجودة أصلًا، ولها دور كبير في نقل ما يحدث لأهل قطاع غزة المنكوب.
جزء كبير من ثقل الكارثة الإنسانية التي تجري تفاصيلها المخزية في قطاع غزة، أنه رغم النشر المكثف والمشاهد التي تدمي القلوب، فإن ضمير العالم يكتفي بدمعة هنا أو كلمة مواساة هناك، وكلاهما لا يسد جوعًا ولا يروي عطشًا.
الحصار قديم
كان الحصار دومًا أداة مهمة للتركيع والإذلال في الحروب، بهدف كسر الإرادة إذا فرغت خزائن الأغذية، وبحث المحاصرون عن الغذاء لا السلاح، وعما يمنحهم الحياة لا عما يجعل احتمال الموت أقرب.
وتحتفظ ذاكرة التاريخ بكثير من أنباء استخدام آلية الحصار خلال الحروب قديمًا، ووصلنا من أنبائها ما لا يكشف حجمها وقدر المعاناة فيها بدقة. وأما في العصر الحديث، فهناك أمثلة لا يمكن المرور عليها دون توقف، مثل ليننغراد وسراييفو.
حصار ليننغراد الأكبر
يُعتبر حصار مدينة ليننغراد الروسية أحد أكبر الحصارات المسجلة تاريخيًّا، سواء من حيث طول المدة أو عدد الضحايا من المدنيين.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي صرّح بأن أمه كادت تموت جوعًا وقت الحصار في ليننغراد مسقط رأسه، شبّه حصار غزة بأنه مثل حصار ليننغراد، وهي مدينة سان بطرسبرغ حاليًّا، التي ظلت لقرون عاصمة الإمبراطورية الروسية، وكان حصارها أحد المعارك المفصلية في الحرب العالمية الثانية (1939–1945).
عندما حاصرت جيوش ألمانيا النازية المدينة التاريخية ذات الثقل الثقافي والاقتصادي والحضري حصارًا تامًّا قارب تسعمئة يوم (1941-1944)، كانت المحصلة وفاة ما بين مليون و1.5 مليون مدني، وفق مختلف التقديرات.
وتسبّب الحصار الخانق في اضطرار المحاصرين إلى أكل حيواناتهم الأليفة، ثم استداروا إلى حيوانات الحديقة، وعلف الحيوانات، وهناك تقارير متعددة عن انتشار آكلي لحوم البشر في المدينة بسبب المجاعة.
استطاع الجيش الروسي فتح ممر ضيق عبر بحيرة لادوجا المتجمدة، ليبطل الحصار جزئيًّا قبل أن ينهيه نهائيًّا، وهو أمر غير متوفر في غزة، إذ لا يبدو أي جيش أو قوة دولية راغبة في فكّ الحصار ولو جزئيًّا عبر اختراق آلة الحرب الصهيونية التي تعربد كيف شاءت.
التطهير العرقي
ضربت القوات الصربية حصارًا حول مدينة سراييفو، عاصمة جمهورية البوسنة والهرسك ذات الأغلبية المسلمة، بين عامي 1992 و1996، واستمر نحو 1425 يوما، ليصبح أطول حصار مسجل في العصر الحديث، لكنه كان وسيلة للتطهير العرقي ضد الأغلبية المسلمة، في المدينة التي تقع وسط أوروبا، حيث كان القنص من التلال المحيطة أحد وسائل إثارة الرعب والفزع بين السكان.
منظمة الأمم المتحدة أنشأت أكبر جسر جوي للمساعدات وقتها، وتدخل حلف الناتو عسكريًّا عام 1995 لوقف مجازر الصرب ضد المسلمين والكروات.
حظي حصار سراييفو بتسجيل عبر أفلام ووثائقيات، وكذلك بتوثيق حقوقي قاد بعض قادة الصرب إلى المحكمة الدولية في لاهاي بتهم الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، وارتكاب جرائم حرب، وهو الأمر الذي يُعتبر محل شك في حالة غزة، إذ يحظى مجرمو الحرب الإسرائيليون بحماية أمريكية وغربية تجعل محاكمتهم أمرًا بعيد المنال.
الكلمة تجوع
امتدّت المأساة في غزة إلى الجميع، بمن فيهم الأطقم الصحفية العاملة في القطاع، الذين لم يعودوا قادرين على العمل بسبب نقص الغذاء والدواء.
وقبل أيام، أصدرت وكالة الأنباء الفرنسية بيانًا صادمًا، حيث قالت إنها لأول مرة منذ تأسيسها عام 1944، تخشى أن يموت مراسلوها جوعًا.
في كلمات قاسية على القلوب الرحيمة، يقول أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة في غزة: “أنا أترنح من الجوع، أرتجف من الإرهاق، أقاوم الإغماء الذي يلاحقني في كل لحظة”، ويستطرد: “نقف أمام الكاميرا نحاول أن نبدو صامدين، لكن الحقيقة أننا ننهار من الداخل. غزة تموت، ونحن نموت معها”.
الصحفيون الذين ينقلون الحقيقة أصبحوا مهددين بالموت، وهو ما تستهدفه الدولة العبرية لخنق الصوت الفلسطيني وتمرير جرائمها دون أن تُنقل إلى العالم.
عمال الإغاثة يستغيثون
لا يوجد استثناء في غزة من المجاعة، حتى لأولئك القائمين على وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، حيث نقل فيليب لازاريني، المفوض العام لوكالة الأونروا، أن الموظفين بالوكالة، والأطباء، والعاملين في المجال الإنساني، يُصابون بالإغماء أثناء تأدية واجبهم، بسبب الجوع والإرهاق، ثم يصف غزة بأنها أصبحت “جحيمًا على الأرض”.
الاعتياد
تختلف مأساة التجويع في غزة عن أي مأساة أخرى في أنها أصبحت تُنقل على الهواء مباشرة، لحظة بلحظة، وأكثر ما يمكن خشيته في هذا هو الاعتياد على رؤية مشاهد الجوعى وهم يتزاحمون، وربما يتقاتلون، في طوابير طويلة، يسبقهم ذلٌّ وانكسار، وخذلان من العالم كله.
في قصيدته “كلمات سبارتكوس الأخيرة”، يقول أمير شعراء الرفض، أمل دنقل:
لا تقطع الجذوع كي تنصبها مشانقًا
لا تقطع الجذوع
فربما يأتي الربيع
والعام عام جوع
يبدو أننا جميعًا قطعنا الجذوع والجسور، وألقينا بإنسانيتنا في بحر غزة التي تحتضر في عام الجوع، وكلنا مدانون ونكتفي بالمشاهدة.
