بعد تغوّل الثانوية العامة.. كم وظيفة ستبقى للبشرية؟

حالة من الارتباك والحزن والحيرة تجتاح مئات الألوف من البيوت التي تمر بمأساة الثانوية العامة كل عام، وصراع يتجاوز عاما كاملا للحصول على مجموع يوازي الدرجات المطلوبة لما يُسمى كليات القمة، التي تؤهل خريج الجامعة لاحتراف مهنة توفّر له قدرًا من الاحترام داخل مجتمعه. ونظرًا إلى عدم اعتراف المجتمع بخريجي الكليات “العادية”، وإغلاق سوق العمل العربي أمام هؤلاء الطلاب أو الخريجين، تسود حسرة كبيرة، وحزن عارم إذا لم يحصل طالب الثانوية العامة على تلك النسبة الهائلة من الدرجات لدخوله الكلية المطلوبة. وتمر السنوات والحقب، ويظل غول الثانوية العامة مسيطرًا بشكل كبير ومحددًا لمستقبل شباب الأمة.
وبالرغم من إنشاء العشرات، وربما المئات من الجامعات الخاصة والأهلية، فإن مصروفاتها ما زالت فوق قدرة النسبة الكبرى من الشعوب العربية، مما يُغلق الأمل في وجه تلك الأسر في تحقيق أحلامها الكبيرة.
وظائف تندثر وأخرى تصنعها الحاجة
وفي خضم ظهور نتائج الثانوية العامة، يظهر إعلان قد يبدو عاديًا، لكنه بين طياته يحمل حقائق مقلقة سوف تؤثر حتمًا بشكل مباشر في مستقبل العمالة الإنسانية كلها، وبالأخص في بلادنا العربية، التي قد يوجب عليها أن تُلقي نظرة على منهجية التعليم ونظمه وطبيعته ووسائله، حتى تُواكب المتغيرات السريعة في حقل الخوارزميات أو تكنولوجيا المعلومات، فقد أعلنت شركة “ميتا” عن تخطيطها لتطوير ذكاء اصطناعي فائق يتجاوز قدرات العقل البشري.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وفي ضوء هذا الإعلان، وفي ضوء التطورات الضخمة والسريعة في عالم الخوارزميات وتقنيات الذكاء الصناعي، التي تجاوزت برامج التسلية وألعاب الأطفال، وتطبيقاته على شبكة الإنترنت، ثم استخدامه في مجال الطب والتشخيص، خاصة في مجال الأورام، وقد صار أكثر دقة من التشخيص الإنساني المجرّد، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد حتى كتابة الدواء.
تخطى استخدام ذلك العالم النظري المحدود، لعلم يغطي جانبًا من الوظائف الإنسانية، ليُقلّص بذلك وظائف كانت تخص الإنسان وتعتمد عليها البشرية، تفتح من خلالها بيوتًا، وتُطعم الكثير من الأفواه.
ومن هنا، فإن حالة الهلع الكبير نتيجة عدم الحصول على الدرجات شبه النهائية في نهاية المرحلة الثانوية لم يعد لها ما يبررها. وكما أن سوق العمل المستقبلي يتشكل من جديد، فكذلك يجب أن تُعاد هيكلة النظم التعليمية لتواكب تلك المتغيرات الجذرية في سلم الأولويات الوظيفية، ويُعاد تشكيل العقلية العربية كذلك وفقًا لتلك المستجدات، ففكرة كليات القمة لم تعد مجدية في عالم تتغير احتياجاته يومًا بعد يوم.
وقد أعلنت بعض المجلات العالمية، مثل مجلة فوربس الأمريكية، أن الكثير من الوظائف بشكلها الحالي سوف تندثر تمامًا، ومنها ما سوف يتأثر سلبًا، مثل وظائف الإدخال الإلكتروني على سبيل المثال، حيث تستطيع الروبوتات إدخال كم هائل من البيانات في أوقات قياسية لا يمكن أن يستطيعها إنسان مهما بلغت قدراته الفنية، بل وتقوم بتحليل تلك البيانات لتخرج معلومات غاية في الدقة.
كذلك في مجالات البيع بالتجزئة، والدعاية، وخطوط التصنيع والتغليف، وفي مجالات الترجمة فحدّث ولا حرج، وكذلك مجال تصميم الجرافيك، الذي تطور فيه الذكاء الاصطناعي بصورة متقدمة تفوق كذلك القدرات البشرية، بالرغم من افتقادها للإبداع الإنساني التخييلي.
التفكير الإبداعي والتفوق الإنساني هو الحل
ولكل زمن وظائفه، كما أن لكل زمن احتياجاته، ومخترعاته، وحضارته، وثقافته. فلا يعني فقدان الوظائف التي يحتاج إليها العالم اليوم أن ملايين من البشر سوف يمكثون بغير عمل، وإنما سوف تُستحدث وظائف جديدة تستوعب الأكثرية، بشرط التفوق والإبداع والخروج من بوتقة عقلية الستينيات الموروثة بلقب طبيب، أو مهندس، أو دبلوماسي.
إن التحول الجاري هو عملية الانتقال إلى ثقافة زمن يولد بسرعات ضوئية، وعلى المعنيين بالعملية التعليمية، والنظرات المستقبلية من أولياء أمور، وحكومات، ومؤسسات تعليمية وأكاديمية، أن يواكبوا الحدث بفتح المجال للمبدعين في مجال التخطيط، لرسم رؤية مستقبلية قصيرة الأمد لمواكبة التغيير الحادث، الذي لا يتوقع أحد عمقه أو أبعاده، نظرًا إلى سرعته الفائقة التي تتناسب مع العقلية الإلكترونية التي تُستخدم للتخطيط اليوم.
لقد صارت التحولات الثقافية التي كانت تستغرق عدة حقب قد تتجاوز أربعين عامًا (وهو العمر الزمني للجيل الواحد)، تستغرق اليوم سنوات معدودة. وعلى من يبحثون عن مستقبل أفضل لأبنائهم أن يفكروا بشكل جديد، عليهم أن يُعلّموا أبناءهم الإبداع في أي مجال يتميزون فيه، وتميل إليه أنفسهم، ويتوافق مع قدراتهم ومواهبهم.
فالعالم اليوم غيره بعد أربع أو خمس سنوات، وصورة الوظائف الحالية تختلف كليًّا عنها بعد تلك المدة الزمنية، وصورة الطبيب أو المهندس التي تحملها مخيلته ليست هي بالتأكيد ما هي عليه اليوم، وسوق العمل وقتها لم تتحدد أولوياته بعد.
مطلوب ثورة تعليمية في بلاد العرب
إن ما يدور في العالم لا ينبغي تجاهله، ومطلوب ألا نظل في منأى عن المتغيرات من حولنا كي نخرج من كوننا مجرد سوق استهلاكي للمنتج الغربي على الدوام، وإلا فسوف نعجز حتى عن كوننا مجرد مستهلك لذلك المنتج الحضاري.
ولا يعني ذلك أن نظل في بوتقة التقليد الأعمى، أو أن نلهث في تعلم كل جديد، بل علينا أن نضع بصمة عربية تتوافق مع احتياجاتنا نحن وأمتنا التي تمثل ثلث سكان العالم، هويتنا نحن التاريخية والدينية، حضارتنا المتجذرة في التاريخ التي توقفت عند الماضوية ولا تعرف لها موضع قدم نحو المستقبل.
على علماء الأمة في كل مجالاتها صناعة رؤية مستقبلية خاصة بنا نحن العرب والمسلمين، لنمنح أنفسنا وأبناءنا فرصة وجودية في المستقبل، وإلا فإنه الطرد من الآلة المستقبلية.
وعلى أولياء الأمور أن يلتقطوا أنفاسهم، ويهدؤوا قليلًا، ويكفوا عن جلد أبنائهم، وإقامة الحدود عليهم، فملامح المستقبل القريب لم تتحدد بعد.
