خفايا السياسة الاستعمارية في تجويع غزة

في أعقاب عملية “طوفان الأقصى”، أطلق مجرمو الاحتلال تصريحات وصفوا فيها الفلسطينيين، بما في ذلك أهل غزة، بأبشع الصفات، مشبّهينهم بـ”الحيوانات” و”الإرهابيين”.
وبما أن ملّة الاستعمار واحدة، فإن تلك الأبجديات لم تكن حكرا على الصهاينة، فقد سبقهم إليها المستعمر الأوروبي الذي اجتاح القارة الأمريكية، ووصم السكان الأصليين بـ”الحيوانات المتوحشة”، وأطلق عليهم –جهلا وغطرسة– لقب “الهنود الحمر”، بعدما ظن كولومبوس أنه بلغ الهند، فظل الاسم يتردّد لعقود في الخطابات الدولية وأذهان البشر.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
لم تكن تلك النعوت التي أطلقها مجرمو الكيان ناجمة عن غضب أو انفعال لحظي، بل كانت جزءا من مشروع متكامل لنزع صفة الإنسانية عن الشعب الفلسطيني. إنها لغة تبرر الإبادة والتجويع، كما فعل المستعمر الأوروبي من قبل، حين أباد ملايين البشر في القارات التي غزاها، وحبس من تبقّى منهم في “محميات”، كأنهم كائنات برّية متوحشة يجب فصلها عن العالم.
وهذا بالضبط ما فعله الاحتلال الإسرائيلي، حين صوّر ضحاياه كوحوش تهدّد “المدنيين الأبرياء”، فاختزل شعبا كاملا في كذبة أمنية، ليُجيز لنفسه ما لا يُغتفر: القتل بالجملة، والتجويع، وسحق الأرواح بلا ثمن.
لقد نظر المستعمرون الأوروبيون إلى القارات التي غزوها بوصفها “العالم الجديد”، أرضا بكرا تنتظر من “يُحييها”، وكأنها فراغ لا سكان له، أو كأن من يسكنها لا يستحقها. آمنوا بتفوّق “العرق الأوروبي الأبيض”، واعتبروا أن الشعوب الأصلية لا تملك حق الوجود أو السيادة، فاختزلوا حضورها إلى ما دون الإنسان، لشرعنة الغزو والمحو والاستيطان.
وهذه الذهنية ذاتها تكررت حين قال الصهاينة عن فلسطين إنها “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. لم يكن هذا الوصف اعتباطيا، بل كان امتدادا مباشرا لتلك العقيدة الاستعمارية التي ترى الأرض ملكا لمن “يحسن إدارتها” – أي للغازي الأوروبي- وتُنكر على أصحابها الأصليين أدنى مقومات الوجود أو الأهلية.
هذه السردية الخطيرة، لطالما رددها قادة الاحتلال بعد أن فتحت لهم وسائل الإعلام الغربية قنواتها وأغلقت عن معارضيهم، ولعبت دورا أساسيا في تسهيل الحصار الوحشي والعدوان على غزة، إذ سعت من خلالها إلى ترسية صورة نمطية قاسية لتنزع عن الضحية ملامحها البشرية، وتزيح التعاطف، وبالتالي تشرعن الجرائم.
المرحلة الخامسة من التجويع
لا شك أننا إذا أدركنا هذه المخططات، فمن الطبيعي أن ندرك ما خلفها، فالمجاعة في غزة ليست ابنة اليوم، بل مخطط طويل الأمد بدأ مع الحصار وتفاقم مع الحرب، وما يُقال عن “أزمة إنسانية” لا يفي الجريمة حقّها، فالاستعمار مهما اختلفت أعلامه وشعاراته، فإن عقيدته واحدة. من إبادة السكان الأصليين في أمريكا وأستراليا، إلى حصار الفلسطينيين وتجويعهم في غزة، نجد أن الأرض لا تُعطى لأصحابها، بل تُنتزع بالقوة، ويُلغى وجود الإنسان باسم التفوق والحضارة أو الديمقراطية.
وأمام هذا الواقع يجب أن ندرك أنه، ولأول مرة منذ النكبة، لم تعد هذه الجولة من الحرب الصهيونية على غزة والضفة الغربية نزاعا على حدود أو ملفات تفاوض، بل تُخاض على قاعدة “البقاء أو الزوال”، فالمعركة الحالية ليست معركة تحسين شروط، ولا دفاعا تكتيكيا عن حيّ أو مدينة، بل صراع مفتوح على الوجود ذاته: هل ستبقى فلسطين كهوية وشعب وقضية؟ أم ستتفكك إسرائيل ويُلغى مشروعها الصهيوني؟
القيادة الإسرائيلية لم تُخفِ هذه الحقيقة، بل قالتها صراحة. وزراء ونواب ومسؤولون عسكريون يتحدثون علنًا عن “نهاية غزة”، و”ترانسفير”، والسيادة على الضفة، كلها تصب في معنى واحد: “إما نحن أو هم”.
بين النيات والعجز
واليوم، وبعد أكثر من عامين من التصعيد العسكري المستمر، وسقوط آلاف الضحايا المدنيين في شباك المساعدات، وسقوط العشرات من ضحايا التجويع، تتسارع المؤشرات نحو تحرّك عالمي متزايد لكسر هذا الحصار وإدخال المساعدات، مدفوعا بضغوط إنسانية غير مسبوقة، واصطفاف دبلوماسي آخذ في التوسع.
لكن السؤال المحوري الذي نطرحه هنا: هل هذا التحرك قادر على إحداث تغيير جذري في المشهد؟
في الحقيقة، رغم الحراك الدولي والعربي والدعوات المتكررة لوقف الحرب على غزة وكسر الحصار، فإن الواقع يبقى رهين توازنات القوة لا مبادئ العدالة، فالبيان المشترك الذي أصدرته 25 دولة، من بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا والنرويج، للمطالبة بوقف فوري للعدوان والسماح بدخول المساعدات، يظل حبرا على ورق في غياب إجراءات حاسمة.
فمن دون ربط هذه البيانات بخطوات عملية –كالعقوبات أو الضغط السياسي الجاد على الكيان المحتل– تتحوّل إلى كلمات فارغة، تهدف إلى تسجيل موقف لا أكثر ولا أقل، دون إحداث تغيير حقيقي على الأرض.
صحيح أن دولا عربية ومنظمات مدنية تحركت لكسر الحصار عن غزة، عبر قوافل برية وبحرية، لكن هذه المبادرات سرعان ما تكسّرت على جدار القيود الإسرائيلية: تفتيش، تعطيل، ناهيك من دعم مجموعات مسلحة محلية لسرقة المساعدات، بهدف التقليص الممنهج لمواد الإغاثة، لتُبقي الجائعين أحياء بالكاد، دون أن تغيّر شيئا في معادلة الموت البطيء.
“الكاميرا” مقابل كيس طحين
وأمام صور المجاعة التي فتكت بالأطفال وكبار السن وحتى الأصحاء، يكفي أن نذكر ما قام به أحد المصورين الصحفيين، عندما باع كاميراته –وهي جلّ ما يملك– واستبدلها بكيس طحين، ليسكت صراخ طفلته الجائعة، ولسان حاله يردد: “الكاميرا مقابل الغذاء”.
الموت هناك تشارك فيه عواصم غربية حين تختار الحياد، وتشارك فيه مؤسسات دولية حين تدّعي قلة الحيلة، وتحيل الكارثة إلى مجرد “أزمة إنسانية” دون تحمّل المسؤولية، وكأن العالم بأسره بات عاجزا، ليس فقط أمام جريمة التجويع، وإنما أمام أكبر إبادة بشرية في العصر الحديث.
وغزة، رغم الجوع والدمار، ما زالت تقول للعالم: نحن بشر، ولسنا فائضا يمكن شطبه من الخريطة، وقد قال ناجي العلي قبل استشهاده، وكأنه يتحدث عن اللحظة الراهنة:
“لم يكن الهدف من هذه المجازر البشعة قتل آلاف من الفلسطينيين، إنما كان الهدف جرّنا –بالمعنى النفسي– إلى أن نيأس إلى حد التنازل عن حقنا في فلسطين، ولكن حتى إن ملّ البعض النضال، فهناك أجيال آتية سوف تلتقط من بعدنا الرسالة.
