تجميد المفاوضات.. مهلة أمريكية لحرب التجويع الإسرائيلية

الأمم المتحدة تؤكد أن قطاع غزة على وشك المجاعة
إعلان فشل المفاوضات يعني مهلة أمريكية جديدة لإسرائيل في حربها لتجويع غزة (رويترز)

لم يبدِ المبعوث الأمريكي إلى المنطقة، ستيف ويتكوف، أسبابا قابلة للتصديق، بشأن عودة وفد الولايات المتحدة، في مفاوضات الهدنة بين حركة المقاومة الإسلامية “حماس” والاحتلال الإسرائيلي، من الدوحة إلى واشنطن.

جاء الانسحاب متزامنا مع انسحاب الوفد الإسرائيلي، رغم الإشارات التي كان طرفا التفاوض والوسطاء القطري والمصري والأمريكي قد أرسلوها، بأن الاتفاق قاب قوسين أو أدنى.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

إزاء ذلك، اكتفى ويتكوف بتبرير القرار المفاجئ، بأن العودة إلى واشنطن “تستهدف التشاور”.

وإذا كانت مفردة “تشاور” تعني أن هنالك أمورا سيجري بحثها، ومقترحات جديرة بتقليبها على مختلف الأوجه، فإن المبعوث الأمريكي اليهودي من أصل بلغاري، هرع إلى منصة التواصل “إكس”، مستبقا عودته إلى الولايات المتحدة، ومتجاهلا التشاور الذي ادَّعاه، ليسجّل ما يبدو إعلانا عن فشل المفاوضات، أو تحريا للدقة إفشالها “مع سبق الإصرار”.

كتب ويتكوف: “لا يبدو أن حماس حسنة النية، سندرس الآن خيارات بديلة لإعادة الرهائن -يقصد الأسرى- إلى ديارهم، ومحاولة تهيئة بيئة أكثر استقرارا لسكان غزة”، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى حرب التجويع الإجرامية التي يشنها “الجيش الأكثر أخلاقية” في القطاع المحاصر.

وبعد نحو 12 ساعة، وقبيل أي لقاء تشاوري مع ويتكوف، ردد الرئيس الأمريكي ترامب كلمات مبعوثه، فوصف في تصريحات صحفية حركة “حماس” بأنها ليست مهتمة بإبرام صفقة، وزاد قائلا: “أعتقد أن حماس تعرف ما سيحدث بعد استعادة الأسرى، ولذلك لا تريد التوصل إلى اتفاق، وأعتقد أنها تريد أن تموت، وسيتعين أن يكون هناك قتال للقضاء عليها”.

المؤكد أن ترامب ليس سياسيا مخضرما، يتقن تزويق عبارات خطابه الدبلوماسي، ومن ثم لم يكن غربيا أن يكشف “بعظمة لسانه”، عن النيات العدوانية الإسرائيلية، وأيضا تأييد إدارته لها.

بعد إطلاق سراح الأسرى، ستشتعل نيران الحرب مجددا، ولن تعدم إسرائيل الذريعة، بل لا يهمها أن تقدم ذريعة، إذ غدت تتعامل مع القوانين الدولية، كبلطجي لا يردعه رادع، ولا يعنيه تجميل صورته.

سيناريو المؤامرة متفق عليه

تصريحات الرئيس الأمريكي لم تترك مجالا لسيناريو آخر، فحتى الهدنة المنشودة، وفي حال إبرامها، لن تصمد طويلا، بل ستبقى مرهونة بالرغبة البربرية الإسرائيلية، في استئناف العدوان.

ترامب لم يلمِّح ضمنيا، بل أفصح: “حماس تعرف ماذا سيحدث بعد استعادة الأسرى”.

المؤامرة على شعب أعزل مستنزف مجوَّع، حتى إن جرى الاتفاق على هدنة، جاهزة للتنفيذ، في الوقت الذي يحدده الشريكان الأمريكي والإسرائيلي.

لكن ماذا عن نحو مليوني فلسطيني يرزحون تحت وطأة حرب تجويع بالغة الوحشية؟ حرب إجرامية إلى حد أن الكاتب الإسرائيلي، جدعون ليفي، وصفها في مقال بصحيفة “هآرتس” العبرية بأنها المرحلة الأكثر شيطانية من الحرب، وتُذكِّر بمعسكرات الاعتقال النازية و”الهولوكوست”.

ليست حياة الغزيّين على قائمة أولويات ترامب، وحتى حين سُئل عن المساعدات الإنسانية، قال إنه اتصل هاتفيا بنتنياهو لبحث سبل إدخالها إلى القطاع المحاصر، لكنه لن يخوض في التفاصيل.

لماذا لن يخوض في التفاصيل؟

ببساطة لأنه ليست هنالك تفاصيل، والأقرب إلى المنطق أن نتنياهو رفض الأمر، وأن ترامب الواقع تحت ضغط فضيحة “إبستين”، التي تذهب تأويلات إلى أنها من أوراق اللوبي اليهودي للضغط عليه، قد رضخ صاغرا، فسحب مقترحاته من فوره، بعقلية السمسار المحنك، الذي يعرف متى يتشدد؟ ومتى يلين؟

الأكثر من ذلك أن حرب التجويع، ليست تعني الأمم المتحدة التي تستنكف حتى الآن، ويبدو أنها ستستنكف إلى الأبد، عن إعلان غزة “منطقة مجاعة”، وذلك -حسب تبريرها- لعدم استيفاء “الشروط الفنية” لذلك.

قبيح هذا العالم المتحضِّر حقا، ففي الوقت الذي كشف الإعلام العبري عن أن أطفال غزة “يتحجَّرون” قبل موتهم من شدة الجوع، ومع ارتفاع صرخات الغزيين الملتاثة: “نريد حليبا للأطفال”، وبرغم تحذيرات منظمات أممية مثل (اليونيسف) و(الأونروا) وبرنامج الغذاء العالمي، من خطورة الوضع الإنساني، لا تحرك الأمم المتحدة ساكنا، ولا تسمي الأمور بمسمياتها، وتكتفي بالإعراب عن القلق العميق، الذي لا يغني من جوع.

ولعله ليس سرا أن الأمم المتحدة تنكص عن تأدية واجبها الأخلاقي، لأن إعلان المجاعة سيمثل إدانة رسمية للاحتلال، بما سيعطي دفعة للجهود القانونية الدولية التي تقودها جنوب إفريقيا، لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء نتنياهو، ووزير الدفاع السابق غالانت.

على الرغم من أن الإبادة الجماعية، مبثوثة عبر الشاشات التلفزيونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا تحتاج مزيدا من القرائن لتأكيدها، إلا أن الأمم المتحدة تطلب تطبيق “الشروط” لإعلان المجاعة.

من تلك الشروط مثلا أن إعلان المجاعة، يقتضي أن يعاني ما لا يقل عن 20% من السكان، عجزا بالغا في الغذاء، فضلا عن تسجيل حالتي وفاة لكل عشرة آلاف يوميا، وهذا وفق المنظمة الأممية لم يتحقق بعد.

حسنا.. فلننتظر حتى يموت المزيد من المحاصرين المجوّعين، فمائتا ألف شهيد وجريح، يمثلون نحو 10% من إجمالي سكان القطاع، ليسوا كافين للمنظمة الدولية.

نعلم يقينا أن الأمم المتحدة ليست محايدة وليست نزيهة، ولم تكن أبدا محايدة ونزيهة، حين يكون المعتدى عليه عربيا، غير أن العدوان على غزة بمداه الوحشي غير المسبوق، يزيد “طينها بللا”، ويجعل مبناها الفاخر في 405 شارع الشرق بنيويورك، أشبه بمقر “تشكيل مافياوي” يتستر على الجرائم الإسرائيلية.

السمسرة و”ريفيرا الشرق الأوسط”.. التهجير لم يغب

وبعيدا عن الأمم المتحدة، يبقى أن إفصاح ترامب عن مخططات العدو إزاء استئناف الحرب، تأكيد للمؤكد من أن الرجل ينظر للمأساة الإنسانية بعين المقاول أو سمسار الأراضي، ولم يتخلْ لحظة عن مشروعه تحويل القطاع، أو وفق تعبيره (القطعة العقارية الممتازة) إلى ريفيرا الشرق الأوسط، بعد تهجير أصحاب الأرض، الذين يستحيل أن نتصور أو أن نطالبهم بالصمود أكثر، أمام تراجيديا سقوط فلذات أكبادهم قتلى من جراء التجويع.

أي تطمينات أمريكية للقادة العرب بالتخلي عن ذلك، لا تعدو إلا أن تكون خداعا استراتيجيا، كالذي مارسته واشنطن مع طهران، قبيل الضربة الإسرائيلية التي أشعلت حرب الـ12 يوما.

بهذا المعنى فإن الانسحاب الأمريكي الإسرائيلي المتزامن من المفاوضات، يبدو تغييرا لتقديم مواعيد الحرب الإبادة، ولا تستفتِ عن مسألة الأسرى ذلك أن نتنياهو لا يضعهم نصب عينيه من الأصل.

الانسحاب هو مهلة أمريكية لمجرمي الحرب في تل أبيب، لاستئناف حرب التجويع، في الوقت الذي تمسك الأنظمة العربية ألسنتها، حتى عن الإعراب عن رفضها الجريمة، والأكثر تهافتا من ذلك أن بعضها لا يزال يؤثِّم المقاومة، ويصف حراكها البطولي يوم “طوفان الأقصى”، بأنه كان “حماقة غير مدروسة”، بل إن السلطة الوطنية الفلسطينية، تتبنى الخطاب الانهزامي المتنطع ذاته، وتنكل بشعبها إلى حد أن قوات “أمنها” أطلقت القنابل المسيلة للدموع على فلسطينيين تظاهروا في نابلس، للإعراب عن تضامنهم مع أشقائهم في غزة.

إلى أين تتجه الحرب؟

بعيدا عن الرومانسية الحالمة، ورغم جهود الوسيطين العربيين الأكثر اتصالا بالمفاوضات، مصر وقطر، فإن المؤشرات تُرجح أياما أكثر صعوبة، وجوعا أشد وطأة، وإجراما أشد وحشية، فلا العالم الغربي “المتحضر” مستعد للضغط على الصهاينة، ولا المنظمات الأممية بصدد إغضاب الصهاينة، ولا العرب قادرون أو راغبون في إغاثة ذوي القربى والرحم.

لقد أصبحت إسرائيل تنينا مجنونا، ينفث النيران اليوم في غزة، ولن يتردد عن نفثها غدا في الاتجاهات كلها، مستندا على دعم الشريك الأمريكي، الذي يطالبه العرب بلغة خجلى أن يكون وسيطا نزيها، فيما هم يعلمون أن هذا هو المستحيل بعينه.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان