غزة واستعادة فانون في مئويته

فرانز فانون (منصات التواصل)

جاء إلى بريدي الإلكتروني تنويه عن ندوة في تونس بمناسبة مئوية مولد المفكر المناهض للاستعمار فرانز فانون من جزر المارتينيك بالكاريبي، التي توافق 20 يوليو/تموز هذا العام، فتنبهت إلى غياب أي احتفاء بالمناسبة عن القاهرة، مقر منظمة التضامن الأفروآسيوي التي تحتضر منذ سنوات.
وكانت كلية الطب بجامعة سوسة قد عقدت مؤتمرا في فبراير/شباط الماضي تحية لذكراه، ولإسهامه معالجا بمستشفى الأمراض العقلية والنفسية بمنوبة (الرازي لاحقا)، ولتأسيسه قسم الطب النفسي بمستشفى شارل نيكول في العاصمة التونسية، وبالطبع لكتاباته غير التقليدية التقدمية في علم النفس ومناهضة الاستعمار.
أما الجزائر، فأطلقت اسمه منذ زمن على مستشفى الأمراض العقلية والنفسية في البليدة، حيث عمل لنحو أربع سنوات منذ 1953 قبل استقالته ونفيه من البلاد، وأخبرني أصدقاء جزائريون مؤخرا باحتفاء سنوي به وبتأسيس ابنه “أوليفر” لمعهد يحمل اسمه هناك عام 2012.

غياب في مصر


للأسف غابت مصر عن الاحتفاء بمئوية فانون، ولو من هيئة أكاديمية أو أهلية، مع أن مهرجان الأقصر للسينما منح فيلما جزائريا عن حياته ومسيرته النضالية إحدى جوائزه بداية العام، وأن كتبا له مترجمة للعربية في بيروت والجزائر منذ الستينيات وبعد هزيمة 1967 وصلت القاهرة مبكرا، من قبيل: “من أجل إفريقيا” الصادر من الجزائر 1966، و”معذبو الأرض” و”سوسيولوجية ثورة” من بيروت 1961 و1970.
وتتجلى خصوصية الاحتفاء بمئوية فانون، الملقب بفيلسوف الثورة الإفريقية، بطول العام، بتشابكها وتفاعلها مع غزة في صراعها مع الاستعمار الصهيوني الاستيطاني الإحلالي الإبادي، فتوالت أنباء فعاليات عالمية تربط بين نضالات شعوب من أصول إفريقية كهايتي وكاليدونيا الجديدة وموطنه الأصلي المارتينيك بنضال الشعب الفلسطيني.

وجهة نظر غير مباشرة


تؤكد المؤرخة والباحثة الشابة في الشؤون الإفريقية خريجة جامعة هارفارد “كاي مورا” في مقال بعنوان “وجهة نظر فرانز فانون في إسرائيل وفلسطين” ما انتهيت إليه بدوري مؤخرا بعد مراجعة مؤلفاته المترجمة من الفرنسية إلى العربية والإنجليزية بأن أيا منها، والمكتوب معظمها خلال خمسينيات القرن العشرين، لا يعالج بشكل مباشر الصراع العربي الصهيوني، ونظرا لانخراطه في ثورة الجزائر واستلهامه خبراتها بالأساس، وحيث التحق بجبهة التحرير الوطني وكان من قياداتها وعضوا بمجلس تحرير جريدتها “المجاهد”.
والمقال المنشور 4 يوليو/تموز 2024 بمجلة “ريبابليك” الرصينة إفريقية الاهتمامات باللغة الإنجليزية يشير إلى أن فانون وعلى نحو غير مباشر تناول القضية الفلسطينية والصهيونية في سياق أوسع من نضالات شعوب إفريقيا والعرب وأمريكا اللاتينية والكاريبي وآسيا للخلاص من الاستعمار.
يشير المقال إلى أن ما يبدو عنفا “جنونيا” غير متوقع من جانب المستعمرين (بالفتحة) هو النتيجة المنطقية للاستعمار وعنفه الوحشي، ولأن المستعمِر (بالكسرة) لا يفهم إلا لغة القوة، ولأن العنف هو السبيل الوحيد للتحرر من الاستعمار، كما يذهب فانون، وهذا ما ينطبق على هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ويسهم في فهمه.
وبالعودة لكتاب “معذبو الأرض”، يبين فيه كيف أن “هذا الجنون وحده بإمكانه تحرير المستعمَرين (بالفتحة) من براثن اضطهاد الاستعمار”، وفي تقديم محمد الميلي (وزير الثقافة الجزائري لاحقا) لكتاب “من أجل إفريقيا” كتب: “أصبح فانون مؤمنا بالكفاح المسلح المطلق الشامل، ومن منطلق إنساني”.

إنارة جوانب مظلمة ورمادية


استعادة تراث فانون الفكري في سياق غزة وفلسطين كلها الآن، تنير العديد من الجوانب المظلمة أو الرمادية، من قبيل:

كل استعمار هو بالضرورة عنصري، إذ لا يمكن استعباد إنسان دون اعتباره في درجة أدنى وأقل شأنا وأحط مكانة (كتاب من أجل إفريقيا).

التفاؤل الصعب المرير بانتصار ثورات الشعوب على الاستعمار في النهاية، وإن طال الصراع وامتدت الحروب والمعاناة، وفي مقدمته لـ”سوسيولوجية ثورة”، كتب فانون: “جميع الجنرالات في قيادة الحروب الاستعمارية كافة يرددون الأمور ذاتها، ولكن كيف لا يفهمون بأن لا ثورة واحدة أمكن قهرها؟”.
يعي فانون نفسه، ويعيد تعريف الذات، بأنه “جزائري” و”إفريقي”، وذلك في نصوص كلماته أمام مؤتمرات إفريقية ومقالاته وكتبه.
وفي هذا ما ينبه اليوم إلى عمق التحولات الجارية على صعيد ثقافة المتضامنين مع فلسطين في أرجاء العالم، إذ سرعان ما يتمثلون بدورهم أنفسهم “فلسطينيين”، ويرفعون شعار “كلنا فلسطينيون”، وبما يحمله إعادة تعريف الذات هذا من معانٍ لعولمة إيجابية لصالح النضال التحرري الفلسطيني.

أبعاد وتحولات اجتماعية نفسية


تفتح استعادة تراث فانون اليوم الأعين والعقول على قضايا تتعلق بالأبعاد النفسية السيكولوجية للعلاقة بين طرفي المواجهة والصراع في السياق الاستعماري، وهذا بحكم ممارسته للطب النفسي إكلينيكيا في جزائر الاحتلال الفرنسي.
وثمة نص مهم مركزي يعالج الطب النفسي الاستعماري في كتاب “سوسيولوجية ثورة”، يتناول العلاقة بين الطبيب والمريض والسياسات والمؤسسات العلاجية.
وأيضا لما ناقشه في كتابه الأول “بشرة سوداء أقنعة بيضاء” الصادر بالفرنسية 1952، والمترجم للإنجليزية من دار “بلوتو” طبعة 1967، الذي خصصه للتحرر الثقافي النفسي من العبودية وإرثها واغترابها.
وجاء به نص في صفحة 224: “بالنسبة للزنجي(*) الذي يعمل في مصنع سكر بمدينة لو روبرت (بالمارتينيك) هناك حل واحد: أن يقاتل، سينخرط في الكفاح ويتابعه ليس كنتيجة لتحليل ماركسي أو أيديولوجي، لكن ببساطة لأنه لا يستطيع تصور الحياة إلا في صورة معركة ضد الاستغلال والبؤس والجوع”، وهذا بدوره استخلاص مهم بالنسبة للشعب الفلسطيني وفي غزة، وبصرف النظر عن مصير أيديولوجيا المقاومة وتنظيمها الرئيس هناك (حماس)، مع الاعتراف بإسهامهما المقدر في الكفاح ضد الاستعمار.
تنبه استعادة فانون اليوم في سياق غزة إلى ما وراء الحرب الجارية، ما بعد العسكري والسياسي، من تحولات في المجتمع المقاوم/الثائر ضد الاستعمار بغزة وكل فلسطين، وهو على ما يبدو لم يلق اهتماما يظهر في كتابات معروفة للآن.
هنا قضايا وأسئلة ما زالت مطوية في غزة خلف الحرب والظاهر، ومنها مدى إسهام المرأة بأعمال تتجاوز الصمود المدني وحسب، وما قد يعقبه من تحولات في مجتمع كان يوصف بالذكوري المحافظ، وبالطبع سؤال ما بين “المقاومة” و”الثورة” من تقاطعات واختلافات.
وربما ينفتح النقاش لاحقا عن “ثورة في الأعماق”، وتحولات تتعلق بـ”الأرستقراطية الاستعمارية”، و”الثقافة الوطنية الحية” بمصطلحات فانون ومفاهيمه المتحررة من النظرة الاستشراقية الأوروبية مدعية العلمانية.
لعل عبارته “الأجيال المقبلة لن تكون أكثر لينا ولا أشد تعبا عما سبقها، بل العكس”، تنير المستقبل على ضوء ما يشهد عليه ويعيشه ويعانيه أطفال غزة من فظائع وممارسات استعمارية وحشية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان