فلسطين من تحرير القدس إلى توصيل كسرة خبز

تضاءلت أحلامنا من السعي لتحرير القدس الأسيرة منذ 1948، حتى أصبح حلمنا توصيل الخبز والماء إلى غزة، ويحارب العالم كله معركته الإنسانية الآن من أجل هذا. إن الأحلام تعبير عن واقع يعكسها ويمهِّد لها، ولكل حلم مقوِّماته على أرض الأمة، سواء صغر هذا الحلم أو كبر بحجم تحرير الأسرى، والأسير المقدّس لدى الأمة العربية والإسلامية.
الواقع يفرض أهدافه
بقدر الواقع تكون القدرة على العمل من أجل تحقيق المستحيل، والواقع الآن صار ضعيفا مهلهلا لدرجة العجز عن إشباع بطون الأطفال والنساء والعجائز في غزة، فصارت كل المحاولات تتلخّص في التعبير عن التضامن فقط، وأن هناك من يشعر بعطش هؤلاء وتشوّقهم إلى كوبٍ من الماء، أو حنينهم إلى كسرة خبز تسدّ رمق أطفال تموت جوعا، ورجال فقدوا القدرة على الوقوف، ومعها الكثير من شحمهم ولحمهم، فصاروا هياكل عظمية لا تقوى على الصمود، فيأتيهم الموت عطشا أو جوعا.
هل نتصوّر أننا نحاول فقط وضع قليل من حبات القمح والأرز والذرة في زجاجات لنضعها على بُعد بضع كيلومترات من شواطئ غزة لنُعلن أننا معكم، نشعر بكم؟ ولا ندري ولا نملك أي ثقة في الوصول إليهم. وبقي الأمل في وصول الرسالة فقط! بل، هل تتصوّر أن صورا لأطفال غزة الجوعى وتلهّفهم على قليل من الغذاء أمام شوادر مؤسسة غزة الإنسانية، وقتلهم بيد الجنود الصهاينة والأمريكان، أصبحت هذه الصور تظهر في مظاهرات داخل الكيان نفسه، وتطالب حكومة الكيان برفع الحصار عن غزة وتوصيل الماء والغذاء إلى الأطفال؟
نعم، وتصورْ مَعي هذا، أننا فرحون بما يحدث في تل أبيب من مستوطني الأرض المحتلة.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
مئات من التظاهرات اليومية في كل أنحاء العالم غير العربي، وغير المسلم، إلا من نذر قليل في اليمن والمغرب والأردن وباكستان، وضئيل جدا أمام القنصلية المصرية في إسطنبول، ينادي بفتح معبر رفح وتوصيل الغذاء.
في ظل التيار الكبير لمظاهرات العالم بعشرات الآلاف، لم تعد المطالبات وقف حرب الإبادة على شعب غزة وفلسطين، وهو الذي كان هدفًا لعام ونصف، بل أصبح المطلب الرئيسي: إيصال كسرة خبز، وجرعة ماء.
المناشدات العاجزة والدعم الأمريكي
يرى الساسة والقادة في العالم، والعالم العربي والإسلامي، ذلك، ولا يملكون إلا مناشدة رفع الحصار عن هؤلاء الذين يحاصرون غزة برا وبحرا وجوا.
تصرخ أغلبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بإيقاف الحرب، ورفع الحصار، والسماح للقوافل الإنسانية بالوصول إلى الجوعى والعطشى، ولا مجيب.
يصوّت مجلس الأمن على إيقاف الحرب، وبالتالي فتح المعابر وإيصال المساعدات الإنسانية، ويقف حق النقض (الفيتو) الأمريكي ليمنع ذلك، ويردّ الكنيست الإسرائيلي بقرار لضمّ الضفة الغربية إلى أرض الاحتلال، الضفة الغربية حيث سلطة لم تتوانَ في دعم الاحتلال ضد المقاومة في الضفة الغربية ومخيماتها، واعتقلت الكثير من المقاومين.
ومع ذلك، يقود اليمين الصهيوني المتطرّف حملة ضمّ غزة، وقريبًا أراضٍ من لبنان، وتوسّع في أراضي سوريا المحتلة.
يقف الشريك الأمريكي داعمًا لمشروعات الكيان الصهيوني في التوسع على حساب الأرض العربية في دول الجوار الفلسطيني، ويحمل المبعوث الأمريكي لمباحثات التفاوض “حماس” مسؤولية فشل المفاوضات.
ويترك “ويتكوف”، مبعوث ترامب، والوفد الأمريكي والصهيوني، جولة المفاوضات لإيقاف الحرب، والحجة: تشدُّد حماس!
وهل توافق حماس، التي تقف وحيدة في مواجهة الحرب الصهيونية الأمريكية لمدة عامين على غزة، على التنازل عن 40٪ من أرض غزة يسيطر عليها الاحتلال، في مقابل هدنة شهرين، وإطلاق سراح الأسرى؟
أي هوانٍ تاريخي، وأي مذلّة ستلاحق المفاوض عندما تنتهي مدة الهدنة وتعود إسرائيل وأمريكا لاستكمال مهمة القضاء على غزة والمقاومة؟
هل سيتوقف العدوان على غزة، والضفة، وبيروت، ودمشق إذا وافقت حماس على شروط نتنياهو وترامب وويتكوف من أجل الهدنة؟
ذاك ظنُّ المتهافتين على سلامٍ مؤقت صوري. بل ذلك انعكاس للحالة العربية أولًا، والحالة الإسلامية ثانيا. ومن إحساس القوة من أجل تحرير القدس والمسجد الأقصى، إلى توصيل كسرة خبز لغزة.
ولن تتوقف أطماع الكيان الصهيوني في الأرض العربية من النيل إلى الفرات، وإن أجّل بعض أحلامه بعض الوقت. لذا، تتوازى خطوط تفاوضهم مع استهدافهم الضفة وبيروت ودمشق، لعل بعد ذلك يجيء موعد الجائزة الكبرى: سيناء والقاهرة.
خسرت القوة.. خسرت كل المعارك
مشوار طويل أوصلنا إلى حالٍ أصبحنا نستحق فيه الشفقة من مستوطنين صهاينة، فصاروا ينادون بالتوقف عن قتل الأطفال وإيصال الخبز والماء، التي يعجز 400 مليون عربي، وملياري مسلم، عن توصيلها للأطفال!
بدأ ذلك بتبديل الوضع العربي من المقاومة إلى السلام، بقذف البندقية بعيدا إلى غصن الزيتون المزيّف، والحمامة البيضاء، ومن جعل قلب الأمة العربية يعلن أن حرب أكتوبر آخر الحروب، والذهاب إلى تل أبيب من أجل السلام، وهم يدركون أنه سلامٌ زائف.
لقد كسب الكيان بالسلام ما لم يكسبه بالحرب، والنصر الذي حققه في يونيو/حزيران. لتخرج القوة الأولى، والجيش الأكبر، من معركة المصير، لتفقد الأمة أولى نقاط قوتها من أجل الحلم بتحرير القدس، الذي رفعته شعارا الجيوش العربية في حرب فلسطين 1948، ورفعته مصر عبد الناصر من قبل يونيو/حزيران 1967، وبعد الهزيمة وحتى وفاته.
ولكن، جاء سلب أهم نقاط القوة العربية بعد انتصار أكتوبر/تشرين الأول.
توالى خسران مقومات القوة العربية، فقد تغيّر الخطاب السياسي، والإعلامي، والثقافي، ليتغنى العرب: (بالسلام إحنا بدينا بالسلام)، ولينخر السوس داخل سنابل القمح، لتبدو قوية ضخمة شكلا، لكنها كانت مريضة.
تتحول العراق إلى قوة لها حساباتها الإقليمية والدولية، وتُجرّ كالأبقار إلى الذبيح، فتقف الأمة لتُشاهد على الهواء مباشرة تدمير العراق وبغداد، ونفقد قوة أخرى.
ومن العراق إلى سوريا، ومن سوريا إلى اليمن، ومنه إلى لبنان.
هكذا تتضاءل القوة، وتتضاءل معها الأحلام.
وبعدما كان الشعار: “حرية فلسطين من النهر إلى البحر”، أصبح حلمنا: وصول كسرة خبز من النهر أو البحر!
إنه انعكاس للقوة التي تهاوت بخطة صهيونية، وبتكاسل وتواكل عربي، واعتقادات خاطئة، وتصورات وهمية بسلام مع من لا يعرفون سلاما، لا قديما ولا حديثا، لا مع أنبياء، ولا مع شعوبٍ ضعيفة، وقوى متهالكة.
فمن يُرِد السلام، عليه بالقوة، ومن يُرِد إيصال الغذاء والماء، عليه أن يقتنص حقه من فم الأسد.
