لماذا قررت إسرائيل تعليق القتال وإسقاط المساعدات لغزة؟

مظاهرات في أستراليا ضد تجويع قطاع غزة (غيتي)

في تطورٍ مفاجئ لحرب الإبادة والتجويع الإسرائيلية على قطاع غزة، وبعد ساعات قليلة من تصريحات صحفية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نادى فيها بـ “الموت لحماس”، مُحرّضا إسرائيل على مزيد من القتل، قرّر جيش الاحتلال إسقاط مساعدات غذائية جوا على بعض المناطق المأهولة بالسكان داخل القطاع، والسماح لدول أخرى بالإسقاط الجوي.

وقال إنه وفر ممرات آمنة لقوافل “الأمم المتحدة” المُحمّلة بالطعام والأدوية، وألقى بمسؤولية توزيع المساعدات على عاتق المنظمات الأممية والإنسانية الدولية. وأكد أنه شرع فعليا بعمليات الإسقاط في ساعةٍ مبكرة من صباح اليوم (الأحد)، وتشمل سبع حمولات من الدقيق والسكر والمعلّبات، قدّمتها منظمات دولية. وتحدث الجيش الإسرائيلي عن هدن إنسانية تبدأ اليوم بوقف القتال في بعض المناطق لتوزيع المساعدات.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

تأتي هذه الخطوة الإسرائيلية مُحاطة بالشكوك وعلامات الاستفهام، عقب يوم من تعليق مفاوضات الهدنة للحرب على غزة، وتوالي تهديدات ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو بتصعيد حرب الإبادة والتجويع على غزة هاشم الأبية.

أوراق الشجر.. ومشافٍ لا تُسعف الجوعى ولو بالمحاليل

لا يحتاج المرء خيالا لإدراك حجم الكارثة الإنسانية المروعة والموجعة، الناجمة عن حرب الإبادة والتجويع التي لم يشهد لها العالم مثيلا من قبل، اللهم إلا المحرقة النازية الألمانية المُدّعاة بحق اليهود خلال الحرب العالمية الثانية (1939–1945م).

فالواقع اليومي المُعاش لسكان هذه البقعة العزيزة من فلسطين المُحتلة تتكفّل ببيانه آلاف الصور ومقاطع الفيديو الواردة يوميا، لأطفالٍ وشيوخ تحوّلوا إلى هياكل عظمية وأجساد هزيلة تنتظر الموت، وغيرهم خطف الجوع أرواحهم.
القطاع محاصر برا وجوا وبحرًا منذ 20 عاما، والمعاناة البشرية المريرة هناك تفوق أي مبالغات؛ فالمعابر مغلقة، والأسواق خاوية.

“الناس” يعيشون بين ركام بيوتهم المُهدّمة بالقصف الجوي، أو في خيامٍ لا تقي من الشمس الحارقة، ولا يجدون حتى أوراق الشجر ليأكلوها، فقد أحرقها الاحتلال، مثلما دمّر “المشافي”، ولا وجود للأدوية حتى تُسعف المصابين من قنابله الحارقة، أو الجوعى الذين يحتضرون ولو بالمحاليل.

انفجار للموت والدمار.. وانعدام للرحمة والإنسانية

إنه وضع إنساني شديد الانهيار والبؤس، وإعلان مدوٍ بالانتحار الأخلاقي والقانوني لما يسمى بالمجتمع الدولي والعالم المُتحضِّر، وإشهار لموت مُهينٍ للنخوة والشهامة العربية، التي تجلّت يوما أثناء حصار قريش للنبي محمد ﷺ وأصحابه وعشيرته، عندما صرخ زهير بن أبي أمية (أحد كفار قريش): “يا أهل مكة، أنأكل الطعام وبنو هاشم جوعى؟”

ما دوافع وأهداف جيش الاحتلال لتعليق القتال مؤقتا في غزة، وإسقاط المساعدات، وتوفير ممرات آمنة لمرور قوافل الأغذية والأدوية؟
هل المُراد فعلا تخفيف معاناة سكان غزة المنكوبين؟
أم هناك أغراض إسرائيلية خفية غير مُعلنة؟

لا جدال أن إسرائيل لم تقرر التوقف عن أعمال الإبادة اليومية التي تمارسها ضد الشعب الفلسطيني في غزة منذ 22 شهرا.
وعليه، يمكن قراءة الدوافع والأهداف الإسرائيلية من قرارها بشأن الهُدن وتمرير المساعدات الغذائية وإسقاطها، بأنها جهد إسرائيلي بعيد عن الأسباب الإنسانية، لكنه يتستر بها.

فانتشار المجاعة (التي تنكرها إسرائيل)، وتوالي التقارير بسقوط “ضحايا جدد للتجويع” يوميا، بينهم أطفال، أثار غضا عالميا (شعبيا ورسميا). وهو ما أدى إلى اندلاع احتجاجات في مختلف بلدان الغرب، وحتى في الأراضي المُحتلة ذاتها، تنديدا بالأوضاع المُفزعة في غزة.

تمزيق أقنعة التحضر والرقي الزائفة

بالتوازي، أطلقت العشرات من منظمات الإغاثة الأممية والدولية تحذيرات وانتقاداتٍ قانونية شديدة لما يجري في غزة من أوضاع إنسانية كارثية.

ولعل أشد الانتقادات وأحدثها، منذ ساعات، جاء على لسان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، واصفا ما يشهده القطاع بأنه “انفجارٌ للموت والدمار، وانعدامٌ للرحمة والإنسانية”، مؤكدا أن “البيانات لا تُطعم الأطفال الجياع”.

ما زاد احتياج “الاحتلال” لهذه الخطوة، هو تصاعد الانتقادات الحكومية الغربية العلنية من حلفاء للكيان، نتيجة استهداف مئات الجوعى الفلسطينيين وقتلهم حال سعيهم للفوز ببعض الغذاء لسد الرمق أملا في النجاة من الموت جوعا.

بدوره، فإن استمرار آلة القتل والحرق والتدمير الإسرائيلية للغزاويين، كفيل بتمزيق “أقنعة التحضُّر والرقي” الزائفة، التي يتزين بها الكيان الصهيوني إعلاميا.
ومن ثم، اضطُرّ إلى هذا المسلك، بغية تحسين وترميم صورته التي تبدّت شديدة القبح والبشاعة للناظرين في العالم.

وفي السياق ذاته، يستهدف قادة جيش الاحتلال التنصل من المسؤولية القانونية عن المجاعة، واحتمال إدانتهم بالإبادة الجماعية، وملاحقتهم جنائيًّا دوليا.
ويؤكد هذا المعنى أن بيان جيش الاحتلال مساء أمس أعاد تعليق أمر توزيع المساعدات في رقبة الأمم المتحدة.

خيارات ويتكوف.. وتفعيل بروتوكول قتل الأسرى

لجوء الكيان إلى تعليق القتال مؤقتًا قد يكون فرصةً لجيش الاحتلال لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع لقواته، في ظل الارتفاع الكبير لخسائره من الجنود القتلى والمصابين في الآونة الأخيرة.

اللافت أن بيان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف (الخميس الماضي)، الذي “زعم” فيه عدم رغبة حماس بوقف الحرب، تضمن إشارة خاطفة بأن بلاده تدرس “خيارات بديلة” لاستعادة الرهائن (الأسرى الإسرائيليين في غزة)، بما يؤشّر إلى احتمال وجود خطط إسرائيلية-أمريكية لتحرير الأسرى بالقوة.

لذا، فقد التقطت فصائل المقاومة الفلسطينية (كتائب القسام، وسرايا القدس التابعة لحركة الجهاد) إشارة ويتكوف، وربطتها بالقرار المفاجئ بتمرير المساعدات، فأعلنت حالة الاستنفار تحسّبًا لاحتمال قيام جيش الاحتلال بعمليات خاصة، استغلالا لشاحنات الغذاء في التسلل لتحرير أسراه لدى المقاومة.
وقررت الفصائل تفعيل بروتوكول “قتل الأسرى” عند أي محاولة لتحريرهم.

خاتمة

القرار الإسرائيلي إذن يهدف إلى تجميل صورة الكيان دوليا، والظهور بمظهرٍ أخلاقيٍّ (مصطنع)، وقد يكون مجرد هدنة مؤقتة للمناورة وإعادة الانتشار لقواته في غزة، وقد يكون لتحرير بعض أسراه على ضوء معلوماتٍ استخبارية بحوزته.
كما لا يُمثّل حلًّا جديًّا لأزمة الغذاء والدواء، فإسقاط المساعدات جوًا غير فعّال كمّيا.

نسأل الله السلامة للشعب الفلسطيني.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان