“الدولة الفلسطينية”.. ما الذي يمكن أن يغيره الاعتراف الفرنسي؟!

مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، وتفاقم الكارثة الإنسانية في القطاع، وتصاعد الضغط الداخلي في أوروبا، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 24 يوليو/تموز الجاري، أن بلاده تنوي الاعتراف بدولة فلسطينية خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر/أيلول المقبل.
وقد أثار الإعلان عن نية فرنسا الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين جدلًا واسعًا حول جدوى هذه الخطوة، وهل سيحمل الاعتراف قيمة استراتيجية، ويشكل نقطة تحول حقيقية في مسار القضية الفلسطينية تدفع نحو تحقيق السلام والعدالة أم أنه مجرد إجراء شكلي لا يؤثر في الواقع المعقد على الأرض، وليس سوى لفتة رمزية غير مجدية في مواجهة كارثة إنسانية ليست أيادي أوروبا ببعيدة عن المشاركة فيها؟
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
في هذا المقال، نحاول أن نستعرض خلفيات القرار الفرنسي، وأبعاده السياسية والقانونية، ونناقش مدى تأثيره المحتمل في القضية الفلسطينية والصراع في الشرق الأوسط.
تحولات الموقف الفرنسي والسياق الدولي
وبالنظر إلى الخلفيات الدولية والتحولات الفرنسية، فإن باريس لطالما أكدت أن الاعتراف بدولة فلسطينية ليس مرفوضًا من حيث المبدأ، لكنها كانت تربطه دائمًا بظروف مناسبة تخدم مسار السلام، حسب وجهة نظرها. ويبدو أنه مع تفاقم الكارثة الإنسانية في غزة وتصاعد الضغط الداخلي الأوروبي، اعتبرت باريس أن اللحظة قد حانت لاتخاذ تلك الخطوة، التي هي جزء من رؤيتها لدعم حل الدولتين على أساس القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة 194، 242، و1967، وإعادة تأكيد الحق الفلسطيني.
لا يمكن فصل هذا التحول الفرنسي عن التغيرات الإقليمية والدولية، حيث تسعى باريس إلى تعزيز دورها بوصفها قوة توازن في الشرق الأوسط، والدفع نحو تسوية شاملة تُنهي حالة الجمود السياسي.
تأتي الخطوة الفرنسية بعد اعترافات سابقة من دول أوروبية مثل إسبانيا في مايو/أيار 2024، وأيرلندا، والنرويج، وسلوفينيا.
الاعتراف الفرنسي: بين الرمزية والتأثير الاستراتيجي
يُطرح سؤال عن الغاية من الاعتراف الفرنسي المرتقب بدولة فلسطينية، ومدى جدواه، وما إذا كان يمثل خطوة رمزية أم استراتيجية؟
لا شك أن الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية يحمل دلالات سياسية وقانونية مهمة، إذ يؤكد دعم فرنسا لحل الدولتين، وضرورة إنهاء الاحتلال وإعادة حقوق الشعب الفلسطيني.
ورغم أن أكثر من 140 دولة تعترف بدولة فلسطين، فإن فرنسا في حال تحقق هذا الاعتراف ستكون الدولة الكبرى والأكثر سكانًا والأقوى بين الدول الأوروبية التي اتخذت هذه الخطوة. كما أنها ستكون الثالثة من بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التي تعترف بدولة فلسطين، وتنضم بذلك إلى روسيا والصين. إضافة إلى كونها أول عضو في مجموعة الدول الصناعية السبع يتخذ هذه الخطوة. وهذا في حد ذاته يقوي من موقف القضية الفلسطينية ويضعف عزلتها الدولية.
من الناحية السياسية، يُنظر إلى الاعتراف الفرنسي على أنه “دومينو محتمل”، قد يدفع دولًا أوروبية أخرى مثل بريطانيا وألمانيا للمضي في اعتراف مماثل، بما يسهم في إيجاد جبهة دولية تضغط باتجاه العودة إلى طاولة المفاوضات، ووقف سياسة الضم والتوسع الاستيطاني، بحسب الغارديان البريطانية.
ورغم هذا الزخم من الترحيب بالإعلان الفرنسي، يبقى الموقف الأوروبي منقسمًا، إذ ترى ألمانيا أن الاعتراف في الوقت الحالي سيشكل “إشارة سيئة”.
ما الذي يمكن أن يغيّره الاعتراف الفرنسي على الأرض؟
هل سيغير الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية الواقع الكارثي في غزة؟ هذا سؤال مطروح بقوة، خاصة أنه في أوروبا، يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها محاولة لتجميل الصورة الدبلوماسية، في ظل استمرار الحصار والعدوان على غزة دون تغييرات جوهرية.
أعتقد أن إعلان ماكرون الاعتراف بدولة فلسطينية، رغم رمزيته، لن يُحدث تغييرًا حقيقيًّا على الأرض، ولن يؤدي إلى وقف قتل الفلسطينيين في غزة والأراضي المحتلة، ما لم ترافقه إجراءات فعلية توقف سياسة التدمير والإبادة الإسرائيلية الممنهجة، وترفع الحصار المستمر، وتعالج المجاعة المدبّرة بحق أهالي غزة.
إضافة إلى ذلك، فإن الإجراءات الوحيدة المجدية التي يمكن لفرنسا والدول الغربية اتخاذها لمواجهة جرائم الحرب الإسرائيلية، هي فرض عقوبات تجارية، وحظر توريد الأسلحة.
فرنسا، كغيرها من الدول الغربية، لم توقف إمدادات الأسلحة إلى إسرائيل، رغم التعبير عن غضبها من أفعالها، علمًا بأن فرنسا تاريخيًّا كانت من أكبر مصدّري السلاح لإسرائيل، وهذا الدعم يشكك في مصداقية كونها وسيطا محايدا. ولذلك تُتهم باريس بالنفاق، حيث تدعم إسرائيل بالسلاح، ثم تدّعي دعم الفلسطينيين بالكلام.
تحديات الاعتراف: أسئلة مفتوحة ومخاوف مشروعة
من ناحية أخرى، لم يحدد ماكرون الأراضي التي ستعترف فرنسا بأنها جزء من الدولة الفلسطينية. فالفلسطينيون يسعون في الوقت الحالي إلى دولة تشمل أجزاءً من الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة، وهي جميعها أراضٍ محتلة.
وهنا لا بد من السؤال حول هوية الدولة الفلسطينية المتوقعة:
هل تدعم فرنسا دولة فلسطينية ضمن حدود 1967، عاصمتها القدس الشرقية، تحت سلطة رام الله وليس تحت سيطرة حماس؟
هل تُشترط مشاركة الفلسطينيين في مفاوضات حول اللاجئين والحدود؟
وماذا عن الانقسام الفلسطيني والخلافات السياسية التي تحد من قدرة هذه الدولة على أن تكون كيانًا متماسكًا؟
الاعتراف بالدولة الفلسطينية في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان والانقسام السياسي الفلسطيني، قد يُكرّس هذا الواقع، ويأتي على الحقوق الجوهرية للشعب الفلسطيني، مثل حق العودة، والسيادة الكاملة على الأرض والحدود. وتتفق مع هذه الرؤية وجهات نظر ترى أن الاعتراف الفرنسي المحتمل قد يغذي التراكمات التي تحوّل القضية الفلسطينية إلى مجرد ملف سياسي متنازع عليه، بعيدًا عن تحقيق العدالة الكاملة للفلسطينيين.
لكن هناك من يرى أن البحث عن نتائج فورية من الاعتراف هو تجاهل للهدف الرئيسي، وأنه لا يمكن إحراز تقدم حقيقي نحو إنهاء الصراع إلا بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. ومن الممكن أن يتحول الاعتراف إلى خطوة استراتيجية في حال تبعت فرنسا دولا كبرى أخرى مثل ألمانيا وبريطانيا، حيث من الممكن أن يشكل ذلك ضغطًا دبلوماسيًّا على إسرائيل لإنهاء الحصار والسماح بوصول المساعدات وبدء مفاوضات جدية.
كما أن الاعتراف الفرنسي قد يوفر فرصًا لتفعيل البنود المتعلقة بحقوق الإنسان في الاتفاقيات الأوروبية مع إسرائيل، مما يفتح الباب أمام فرض عقوبات على المستوطنات.
تواجه خطوة الاعتراف الفرنسي تحديات دبلوماسية واقتصادية من إسرائيل والولايات المتحدة، وانقسامات أوروبية، واستقطابًا داخليًّا في فرنسا.
