غزة: لا مدارس.. لا أطفال!

العدوان الإسرائيلي لم يستثن المدارس (الفرنسية)

من تحت أنقاض المدارس، تنادي الكتب والكراسات والأقلام التي غلّفتها دماء أطفال لم يُتَح لهم استكمال بعض الكلمات، أو بعض الجمل. تستصرخ ضمير العالم الذي كان يُسمى يومًا «حرًّا»: أين أطفالٌ كانوا يومًا يملؤون تلك الأنحاء صخبًا، ورغبة في تحدي أوضاع فُرضت عليهم قسرًا؟
فهم، مثل كل أطفال العالم، كانت لهم أحلامٌ اتسمت دومًا بالبساطة، والحد الأدنى من مقومات الحياة التي يحبونها ويتعلقون بها. فتم بتر الحلم بعنف، ولم تكتمل كلماتهم التي بدؤوها منذ أكتوبر قبل الماضي، فاحترق الكتاب، ومزقت الكراسات، وغرقت الكلمات في الدماء، وسقط أطفال غزة، بينما صمّت المنظمات الدولية آذانها، وهي التي ما أُسست -كما يدّعون- إلا لمثل هؤلاء الأطفال.
وتسقط قبلهم تلك المنظمة التابعة للأمم المتحدة المعنية بالتربية والعلم والثقافة، التي تصف نفسها ودورها في مجال التعليم بكلمات محددة: «التعليم هو حق أساسي من حقوق الإنسان، ومنفعة عامة عالمية لديها القدرة على تغيير مجرى حياة الأفراد والمجتمعات والأرض بأسرها إلى الأفضل عبر الأجيال».
ويتولى قطاع التربية في اليونيسكو القيادة على الصعيدين العالمي والإقليمي بغية ضمان انتفاع كل طفل وشاب وكبير بالتعليم الجيد مدى الحياة.

منظمات الطفولة العالمية والعجز المطلق

تشدّق العالم الأول طويلًا بتأسيسه لمنظمات دولية تحت مظلة الأمم المتحدة لحماية المستضعفين، وحل مشكلات الفقراء وضحايا الحروب، خاصةً فيما يسمى بالعالم الثالث.
ومن أهم تلك المنظمات التي تُعنى بحقوق الطفل: منظمة اليونيسيف، وقد وضعت في جدول أعمالها من أجل التغيير لحماية الأطفال في النزاعات المسلحة بنودًا، كان يمكن -لو تم تنفيذها- أن تحمي أكثر من ثمانية عشر ألف طفل ارتقوا شهداء، بحسب إحصائيات المنظمة نفسها، علاوة على ثلاثة وثلاثين ألف طفل مصابين وينتظرون بغير تداوٍ، على مدى واحد وعشرين شهرًا.
وتُقر المنظمة في بنودها بحق الطفل الفلسطيني في الحماية الكاملة من المجتمع الدولي، وإبعاده عن تأثيرات الصراعات القائمة، ومن تلك البنود:
«إعمال حقوق الأطفال في أوضاع النزاعات بصرف النظر عن المكان الذي تندلع فيه الحروب، ويجب أن تُتخذ إجراءات لمنع وإنهاء الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال. ويجب على الجهات التي تتمتع بالنفوذ أن تستخدم نفوذها لضمان الالتزام المستمر بالقانون الدولي».
فأين تلك البنود والقرارات والمواقف الدولية مما يدور في غزة اليوم من مذابح على مدار الساعة لأطفال لا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا بهوية فلسطينية، وأبى آباؤهم إلا أن يعيشوا فوق تلك الأرض، أو يُدفنوا بها؟
لقد فقدت المنظمات العالمية صلاحيتها حين عجزت عن أداء الدور المنوط بها، بينما يسقط الأطفال على الهواء، على مرأى ومسمع من العالم، دون حراك يُذكر، ودون محاولات جدية لحمايتهم. وكأن الإرادة الرسمية للأنظمة الكبرى قد اتفقت على إنهاء وجودهم سريعًا، مدّعيةً العجز عن وقف المجزرة، لتسقط مع الجثامين إنسانية العالم في مستنقع دماء لا يبدو له في الأفق نهاية.

فصول بلا مقاعد ومدارس أصبحت مأوى غير آمن

كم مدرسة سقطت؟ وكم بقي منها ليصبح مأوى للسكان المستجيرين بها من نير القصف؟
لم يعد من السهل حصرها اليوم، وقد طال الهدم معظمها في مخالفات علنية للقانون الدولي.
وصار الحديث عن التعليم دربًا من الرفاهية الداعية للسخرية، مع فقدان الأمان، وانهيار الأسرة، وتواصل القتل الجماعي. توقفت العملية التعليمية تمامًا لما يقرب من مليون طالب على مدى عامين من الحرب، قُتِل الطلاب، قُتِل المعلمون، تحطمت مقاعد الدراسة، وانتهت العملية التعليمية لمدة عامين في القرن الحادي والعشرين.
لتحذّر الأونروا -في سبتمبر/أيلول 2024- من خطر تحوّل مئات الآلاف إلى «جيل ضائع» بلا تعليم.
وفي إبريل/نيسان 2025، تعلن اليونيسيف أن أكثر من 95٪ من المدارس قد تضررت بدرجات متفاوتة، وأن 88.5٪ منها بحاجة إلى إعادة بناء كاملة.

خيام للتعليم بغير معلمين

لقد حاول الغزّيون أنفسهم القيام بعمليات تعليمية تعويضية داخل الخيام، حتى لا ينشأ من بقي من أطفال غزة في ظل الجهل، والخوف، والمرض النفسي.
لكن تلك الخيام نفسها لم تعد آمنة، بل تُستهدف وتُحرَق بمن فيها وهم أحياء، دون خوف من غضب شعبي، أو مراجعة دولية، ولو ببيان شجب واستنكار، في جريمة سيدفع ثمنها العالم أجمع.
فأيُّ عالمٍ هذا الذي يُحرَم فيه جيلٌ كامل من وطنٍ يناضل ويحارب من أجل حقه، دون أن يتحرك؟
أيُّ حقبة زمنية تلك التي تُباد فيها الطفولة، وتُقتَل فيها الأحلام، دون أن ينتفض أحد غضبًا لوقف تلك المهازل التاريخية المرعبة؟
أي مطالبات وصرخات تطلقها اليونسكو أو اليونيسيف دون أن تملك القدرة على إنفاذ أهدافها؟
وما قيمة الكلمات والصرخات أمام حياة تُختطف، وأوطان تُنتهك، ومستقبل يُسرق، وبطون خاوية يعلو صراخها على كل صرخات الغاضبين؟

على أعتاب غزة، تنتحر إنسانية الإنسان، ويفقد العالم صلاحيته للحياة، ويثبت كذب كافة ادعاءات الكبار بالبراءة، فالكل هنا مُدان، وتحت أنقاض المدارس سقطت الإنسانية بغير عودة.
إن أطفال غزة في حاجة إلى أكثر من مجرد الكلام، إنهم بحاجة إلى جدران تحميهم من غبار السقوط، وإلى كتب تحمل صفحات بيضاء يسطرون فيها التاريخ كما شاهدوه بأعينهم.
ربما يكتبون فيها سطورًا جديدة تعلّم الإنسان قيم الإنسانية كما ينبغي أن تكون،
وربما يستطيعون أن يُكملوا أسطرًا كتبها زملاؤهم، ولم يستطيعوا إكمالها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان