صدام الانتخابات يشعل تركيا: المعارضة تُلوّح بالشارع وأردوغان يرد بالقانون

تصاعدت حدة الصراع بين أكبر حزبين سياسيين في تركيا بعد تواصل حملات الاعتقال والقبض على قيادات الحزب المعارض الأول في تركيا، حزب الشعب الجمهوري، صاحب الأغلبية الحاكمة في بلديات إسطنبول. وكانت الضربة الكبرى قد بدأت باعتقال أكرم إمام أوغلو منذ عدة شهور، ومعه عدد كبير من قيادات بلدية إسطنبول بتهمة الفساد.
القضية التي سحبت خيط التحقيقات الذي لا ينتهي حتى الآن، متعلقة بالشهادة الجامعية لأكرم أوغلو، الحاصل عليها من جامعة إسطنبول. وكان أوغلو يعد نفسه للمنافسة على انتخابات الرئاسة القادمة بعدما نجح في الوصول إلى منصب رئيس بلدية إسطنبول مرتين، ويقول الأتراك إن من يحكم المدينة يصبح الطريق مفتوحًا أمامه للرئاسة، كما حدث مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
توالت عمليات التحقيق في فساد الإدارات المحلية للبلديات في إسطنبول، وتم القبض على أكثر من 15 رئيس بلدية داخلية في إسطنبول، وصاحبت ذلك مظاهرات عارمة في الأيام الأولى للقبض على إمام أوغلو، وما لا يقل عن 25 من قيادات البلدية، ثم بدأت التظاهرات تخفت قليلا.
الأيام الأخيرة حملت مفاجآت غير سارة للحزب الأول في المعارضة التركية، صاحب أكبر نسبة في انتخابات البلدية الأخيرة، واتسعت التحقيقات لتشمل مدنًا كبرى أخرى غير إسطنبول.
اتهامات للحزب الحاكم والجهات القضائية
اتهم أعضاء حزب الشعب الجمهوري الحزب الحاكم، الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بتسييس القضاء واستخدام سلطاته للخلاص من قيادات المعارضة، رغم أن رئيس الحزب الجمهوري السابق، كمال كليتشدار أوغلو، اعترف ببعض الانحرافات داخل الحزب. بل إن المفاجأة الكبرى جاءت عندما أعلنت النيابة العامة أن الذين تقدموا بالبلاغات هم من أعضاء الحزب نفسه.
الرئيس التركي قال: إن حزب الشعب الجمهوري يحاول التستر على جرائمه عبر النيل من مؤسسات القضاء وتبرئة المذنبين من خلال تحركات الشارع، بينما اجتمع أوزغور أوزال، رئيس الحزب الجمهوري المعارض، بالهيئة المركزية للحزب في أنقرة عقب القبض على ثلاثة رؤساء لكبريات الولايات التركية: أزمير، وأنطاليا، وأديامان، ثم أعقب ذلك القبض على رئيس بلدية أضنة. ووجّه أوزغور أوزال انتقادات عنيفة إلى الرئيس أردوغان، والقضاء التركي.
أوزال: “الميادين تغلي”.. والرئيس يرد: “أحلام”
في تصريحات صحفية، هدد أوزال الرئيس التركي بالتجمعات والتظاهرات، وقال: إن الميادين تغلي وتستعد، وذكّر أردوغان بمظاهرات ميدان التحرير في مصر، وقال موجهًا خطابه إلى الحكومة: “إنكم لا تدركون خطورة الوضع”، وأضاف: “لا تدفعوني إلى دعوة الشعب للخروج إلى الشوارع، وإذا فعلت عليك أن تتخيل وحدك يا أردوغان”.
تجاوز أوزال كثيرًا في خطابه الأخير وتناسى أن ما يحدث هو تحقيقات متعلقة بفساد إداري موجود داخل بلديات يحكمها الحزب، بعد مفاجأته في الدورتين الأخيرتين للانتخابات في 2019، بحصوله على نسبة كبيرة وخمس ولايات كبرى، منها أنقرة، وإسطنبول. وتناسى رئيس الحزب أيضًا أن أغلب القضايا مسجلة صوتًا وصورة، فالقضية قضائية وليست سياسية.
وكان أمام حزب الشعب فرصة تاريخية بعد حصوله على نسبة أعلى من تحالف الحزب الحاكم “تحالف الجمهور” في انتخابات 2024، ولكن تصريحاته الأخيرة وتهديده للرئيس بالجماهير والميادين جعلته في مرمى التحقيقات، التي بدأت أمس بالفعل، وجرى تقديم بلاغ ضده. وهو الذي ينتظر غدًا حكمًا آخر متعلقًا بالمؤتمر الأخير للحزب ومخالفات قد تؤدي إلى بطلان انتخابه شخصيًّا.
الرئيس التركي تعليقًا على ما حدث، قال: إنهم يعيشون في أحلام وأوهام، ولا وجود لشيء اسمه حزب الشعب الجمهوري هو الحزب الأول في الشارع التركي. الحزب الأول في تركيا هو العدالة والتنمية.
ونشر وزير العدل التركي على منصة “إكس” عقب توجيه بعض الاتهامات بأن القضاء مسيس، منشورًا قال فيه: “لا أحد فوق القانون، فالجميع، بما في ذلك الأشخاص الذين يؤدون مهام عامة، خاضعون للرقابة القضائية. والدعاية السوداء من قبل بعض الأوساط تلحق الضرر بالعمليات القضائية”.
هل ينهار حزب المعارضة الأكبر؟
حزب الشعب الجمهوري يواجه مأزقًا داخليًّا، في انتظار حكم المحكمة بفساد وتلاعب أثناء المؤتمر العام الأخير للحزب، كان من نتائجه فوز الرئيس الحالي أوزغور أوزال وخسارة كليتشدار أوغلو، الذي ينتظر حكم المحكمة، الذي ربما يعيده إلى قيادة الحزب مرة أخرى.
القضية التي سيصدر الحكم فيها غدًا، 8 يوليو/أيلول، قد تصبح نقطة تحول في مسار الحزب.
شهدت الأيام الأخيرة تحقيقات بتهم الفساد ومخالفات إدارية في بلدية أزمير الكبرى، وهي من الولايات الكبرى التي يحكمها حزب الشعب الجمهوري، وألقت السلطات القبض على أكثر من 120 مشتبهًا فيهم بتهم فساد. تبع ذلك توقيف 42 من المتظاهرين أمام بلدية إسطنبول بتهم إهانة الرئيس التركي، ثم صدرت لائحة الاتهام الخاصة برئيس البلدية إمام أوغلو، المتعلقة بحصوله على شهادة تخرج غير قانونية من جامعة إسطنبول، وطالبت اللائحة بفرض حظر سياسي عليه والحكم عليه بالسجن ثماني سنوات.
رؤساء البلديات الكبرى يتساقطون
تصاعدت الأمور بعد صدور قرار المحكمة بحبس 30 شخصًا على خلفية تحقيقات في قضية الفساد في ولاية أزمير التي يحكمها حزب الشعب الجمهوري، ومن ضمن الذين أمرت المحكمة بحبسهم رئيس البلدية السابق، ورئيس حزب الشعب الجمهوري في الولاية، وذلك بعد نهاية التحقيقات مع قرابة 100 شخص.
انتشرت خلال الأيام السابقة مشاهد مصورة من داخل بلدية مانافغات التابعة لولاية أنطاليا، التي يديرها الحزب المعارض، تتعلق بتحقيقات فساد في الولاية، وقد علّق رئيس الحزب أوزال بأن الحزب سيتعامل بحزم مع أي تجاوز لمبادئ إدارة البلديات.
لقد أهدر الحزب المعارض الأكبر في تركيا فرصة تاريخية له منحتها الجماهير منذ ست سنوات، ليكون الأقرب إليها في أي انتخابات قادمة، خاصة بعد رفعه شعارات انتخابية كبيرة ذات ملامح يسارية.
لكن ما أصاب الولايات كان الفساد، وبدلًا من وعود الرفاهية صارت حياة الشعب التركي أصعب كثيرًا عما كانت عليه تحت حكم العدالة والتنمية، بل صارت الحياة صعبة بعد وعود كثيرة. وهذا الحال يمنح العدالة والتنمية فرصة جديدة لكي يستمر في قيادة تركيا سنوات جديدة.
