كيف نجا العرب من سيناريو هزيمة إيران أمام إسرائيل؟

امرأة إيرانية تحمل صورة المرشد الأعلى علي خامنئي أثناء الاحتفال بوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل
إيرانية تحمل صورة المرشد الأعلى علي خامنئي أثناء الاحتفال بوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل (الفرنسية)

 

لم تكن الحرب التي شنتها إسرائيل على إيران في 13 يونيو/حزيران 2025 حدثا عابرا تقف تداعياته عند حدود الطرفين، لو استمرت المواجهة ولم تتوقف بعد 12 يوما. بل إن آثار هذه الحرب كانت ستطال الشرق الأوسط، خاصة الدول العربية، التي تُعَد الأشد تضررا من تداعيات حرب كهذه، خاصة لو هُزمت إيران.

أخطار اختلال التوازن الإقليمي

هذا السيناريو -لو تحقق- لم تكن تداعياته لتقتصر على الداخل الإيراني، بل كان سيعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة بشكل جذري، ويمنح إسرائيل هيمنة شاملة وتفوقا استراتيجيا يفرض واقعا جديدا على القضية الفلسطينية والدول العربية كلها، ومجمل النظام الأمني العربي.

في هذا المقال، نحن معنيون بمناقشة: ماذا يمكن أن يحدث لو هُزمت إيران؟ وكيف أسهم بقاء إيران قوة ردع في إنقاذ الدول العربية من التداعيات الكارثية لانتصار إسرائيلي كامل على إيران؟

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، وتصاعد الاشتباكات بين الاحتلال الإسرائيلي ومحور المقاومة، بدا واضحا أن تل أبيب تريد تصفية خصومها الاستراتيجيين سعيا لتوسيع نفوذها الإقليمي.

وقد أعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صراحة، خلال الحرب الأخيرة مع إيران، النيات الإسرائيلية بقوله “نحن نريد تغيير الشرق الأوسط”، في إشارة إلى المشروع الإسرائيلي التوسعي، الذي لا يقتصر على تحقيق الحسم العسكري فحسب، بل يشمل إعادة رسم الجغرافيا السياسية في المنطقة من نهر الأردن إلى البحر المتوسط.

كانت بداية هذه السياسة بالهجمات على إيران التي طالت منشآت عسكرية ونووية، واغتيالات لقادة وعلماء بارزين، في محاولة للقضاء على قوة الردع الإيرانية، وإنهاء دور محور المقاومة، وفرض خريطة جديدة للمنطقة.

اتفاق هش وحرب ثانية محتملة

رغم اتفاق وقف إطلاق النار بين تل أبيب وطهران، فإن المعطيات على أرض الواقع تشير إلى هشاشته، وأن إسرائيل قد تعاود الحرب على إيران مرة ثانية، ربما في أقرب فرصة مواتية، وبتوافق أمريكي، بعد مراجعة إخفاقاتها في المواجهة الأولى، وعدم تحقيق هدفها بالحسم العسكري الشامل، والقضاء على القدرات الإيرانية.

خلال الحرب الأخيرة، استطاعت إيران أن ترد على العدوان الإسرائيلي ردا محسوبا وكافيا، أظهر أن إسرائيل لم تنتصر في هذه المعركة.

على الرغم من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أشار فيها إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني، فإن التقارير الاستخبارية اللاحقة أفادت بأن الضربات الأمريكية لم تؤثر في القدرات الإيرانية، وإنما قد تؤخر المشروع النووي بضعة أشهر، كما أن طهران نجحت في نقل اليورانيوم المخصب قبل الضربات.

هذه المعطيات، وبناء على عدم تحقيق تل أبيب أهدافها من الحرب، ووفقا للعقيدة السياسية الإسرائيلية التي ترى أن إيران تمثل تهديدا، كل ذلك يقود إلى نتيجة واضحة، هي أن حربا ثانية قد تشنها إسرائيل بتوافق أمريكي.

قوة الردع الإيرانية والتوازن الإقليمي

إن قلق الدول العربية لا ينبغي أن يكون من إيران، بل من الواقع الاستراتيجي الجديد الذي سيتشكل إذا انتصرت إسرائيل في مواجهة قادمة مع طهران، لأن ذلك يعني أن تل أبيب ستصبح القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على فرض هيمنتها على المنطقة كلها دون رادع فعلي.

إن وجود إيران وقوى محور المقاومة أدى وظيفة غير مباشرة في الحد من التوسع والهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.

وفقا لنظرية “التوازن عبر الردع” في العلاقات الدولية، فإن وجود خصم قوي لديه القدرة على إيقاع ضرر كبير ومؤلم بالمعتدي، يحد من قدرة الطرف الأقوى على إملاء إرادته وفرضها، ويخلق حالة من الاستقرار القائم على خوف متبادل من التصعيد. وهذه هي الوظيفة التي قامت بها إيران بطريقة غير مباشرة طوال عقدين ماضيين.

إن اختلال هذا التوازن بإضعاف إيران وسقوطها قد يدفع إسرائيل إلى سياسات توسعية أكثر حدة، قد تشمل ضم الضفة الغربية، وتفكيك السلطة الفلسطينية، والتهجير الجماعي للفلسطينيين من غزة والضفة نحو الأردن ومصر.

ما الذي يخسره العرب إذا انتصرت إسرائيل؟

بالنسبة للدول العربية، فإن سيناريو تحقيق إسرائيل انتصارا ساحقا على إيران يشكل خطرا استراتيجيا مباشرا على دول الجوار العربية.

الأردن -على سبيل المثال- يواجه تهديدا وجوديا في حال ضم الضفة الغربية، وما قد يؤدي إليه ذلك من تهجير للفلسطينيين.

أما مصر، فتخشى من دفع سكان غزة نحو سيناء، وهو ما يُعَد خطا أحمر. وفي المقابل، فإن سوريا ستواجه تحديا كبيرا في ظل احتلال إسرائيل للجولان وتمددها في الجنوب السوري، وفرضها سيطرة على نحو 500 كيلومتر مربع، بينها سد المنطرة في محافظة القنيطرة.

أما لبنان، فيواجه تحديا مشابها، في ظل رغبة الاحتلال الإسرائيلي في الوصول إلى نهر الليطاني، والسيطرة على مصادر المياه.

وفيما يخص الدول العربية التي ترتبط بشراكات مع الولايات المتحدة الأمريكية، فإن فقدان إيران بوصفها قوة ردع موازية للاحتلال الإسرائيلي في المنطقة سيؤدي إلى تراجع القيمة الاستراتيجية لهذه الدول، ويحولها من الشراكة إلى التبعية المطلقة، وستكون لذلك آثار بالغة الضرر على أصعدة مختلفة: سياسيا وأمنيا واقتصاديا.

وبخصوص القضية الفلسطينية، فإن أخطر ما يمكن أن يترتب على هزيمة إيران هو انكشاف الساحة الفلسطينية، في ظل غياب الدعم العسكري والسياسي الإيراني للمقاومة، الذي -رغم الجدل الكبير المثار بشأنه- يشكل عاملا مهمّا في منع إسرائيل من فرض التسوية التي تريدها، ويحول دون إنهاء القضية الفلسطينية، وفرض تطبيع شامل على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

ما المطلوب من الدول العربية؟

إن الشرق الأوسط، في ظل التوترات القائمة، قد يكون على أعتاب تحوُّل استراتيجي خطير، يتطلب من الدول العربية تنحية الشعارات جانبا، والنظر إلى إيران ليس من منظور الخصومة المذهبية والتنافس الجيوسياسي، بل باعتبارها تمثل حاجزا استراتيجيا يحول بين إسرائيل -ذراع الغرب الاستعماري- والتفرد بالمنطقة.

بغض النظر عن الموقف من السياسات الإيرانية، فإنه من الخطأ النظر إلى الدفاع عن بقاء إيران بوصفها قوة إقليمية على أنه انحياز مطلق إليها. لكن ما يقترحه كاتب هذه السطور لخلق التوازن في المنطقة بعيدا عن الانفراد الإسرائيلي، يتطلب وجود قوى متعددة حتى لو كانت متنافسة، فالردع المتبادل يمنع أي قوة من فرض إرادتها الكاملة، ويحول دون وقوع انهيارات سياسية وأمنية تفرضها قوة واحدة.

ولذلك، فإن وجود قوة مثل إيران جعل من المستحيل أن تمضي إسرائيل بمشروعها التوسعي دون حسابات شديدة التعقيد.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان