من قانون طرد الفلاحين عام 1992.. إلى طرد السكان في 2025

في عام 1992 صدر “قانون رقم 96 لسنة 1992 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952 بالإصلاح الزراعي”.
وقد عُرف في حينه بقانون طرد الفلاحين المستأجرين من الأراضي التي يزرعونها، وفق وصف رافضي القانون.
وهذا العام 2025 صدر”قانون بشأن بعض الأحكام المتعلقة بقوانين إيجار الأماكن وإعادة تنظيم العلاقة بين المُؤَجِر والمستأجر”، وهو ما يُعرف شعبيا بقانون الإيجار القديم في المساكن.
أدبيات ثورة يوليو/تموز 1952 تعتبر أن قانون الإصلاح الزراعي هو أول وأسرع الإنجازات الاجتماعية والشعبية للثورة، فقد صدر بعد 49 يوما فقط من إطاحة الضباط بالملك، ولم يكن قانونا خرج من برلمان بعد مناقشات، فقد كان مجلس قيادة الثورة المُشّكل من ضباط هو سلطة الحكم؛ تشريعية وتنفيذية، ولهذا صدر في شكل مرسوم بقانون وقعه اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة قبل إطاحته هو الآخر من زملائه الضباط.
قانون الإصلاح الزراعي استمر 40 عاما من 9 سبتمبر 1952 حتى 24 يونيو/حزيران 1992، وهو يوم إقرار البرلمان له، وبعد فترة انتقالية مدتها 5 سنوات تحررت العلاقة الإيجارية بين مستأجر الأرض وبين مالكها في أكتوبر/تشرين الأول 1997.
تثبيت أجرة السكن.. تاريخ قديم
الوضع مختلف بالنسبة للمساكن، فالإصلاح الزراعي محسوب على ثورة يوليو لإنصاف الفلاحين والأجراء، أو ظلم الملاك من وجهة النظر المضادة.
لكن في المساكن، ثّبّتت حكومات ما قبل يوليو 52 أجرة السكن، ومنعت طرد المستأجر إلا بحكم محكمة، وجعلت عقود الإيجار ممتدة، وذلك بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي نتجت عن الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولمنع ملاك العقارات من طرد المستأجرين المصريين لتأجيرها لأجانب بأجرة أكبر.
استفادت يوليو من التشريعات التي تحمي المستأجرين وأضافت إليها تشريعات أخرى، بل أصدرت مرتين قرارات بتخفيض أجرة السكن.
واستمر الحال هكذا حتى صدر القانون رقم 49 لسنة 1977، والقانون 136 لسنة 1981 وتضمنا تثبيت أجرة السكن، وامتداد عقود الإيجار، وبذلك جرى تحصين المستأجر، وضمان بقاء أولاده وأحفاده في المسكن.
وفي 2002 قضت المحكمة الدستورية بإبطال توريث عقد الإيجار للأحفاد، وقصرته على الجيل الأول، أي الزوجة، والأولاد، والوالدين لو كانا على قيد الحياة.
وصدر أحدث حكم للمحكمة الدستورية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بإبطال تثبيت الأجرة، أي تحريرها، وقررت المحكمة أن حكمها سيكون نافذا في اليوم التالي لانتهاء الدورة الحالية للبرلمان مما استدعى من الحكومة تقديم تشريع لإقراره.
وهذا ما حدث حيث أقر البرلمان في 2 يوليو الجاري مشروع القانون الذي قدمته الحكومة إليه بعد أن أدخلت تعديلات طفيفة على المشروع الأول استجابة لما تُسميه نتائج الحوار المجتمعي، وهو حوار جاء على عجل، وخلال وقت قصير. وأبرز التعديلات أن الفترة الانتقالية الممنوحة للمستأجر ليغادر بعدها المسكن صارت 7 سنوات بدل 5 سنوات، وتعديل الإيجار الجديد خلال الفترة الانتقالية ليكون 1000 جنيه شهريا للشقق في المناطق المتميزة، و400 جنيه في المناطق المتوسطة، و250 جنيها في المناطق الاقتصادية، وزيادة الأجرة 15% سنويا حتى انتهاء الفترة الانتقالية في يوليو 2032، وبعدها يحق للمالك استرداد أملاكه، وطرد المستأجر، أو إبقاؤه، لكن بعقد جديد محدد المدة، وبالإيجار الذي يتم الاتفاق عليه.
شروخ عميقة
حكم الدستورية العام الماضي لم يتطرق لامتداد عقد الإيجار لجيل واحد، إنما يتعلق بعدم جواز تثبيت الأجرة، أي لم يطلب إخراج المستأجر من المسكن.
لكن مشروع قانون الحكومة منح المالك الحق في إخراج المستأجر، وبذلك ألغى تمديد عقد الإيجار، والحكومة هنا تتجاوز حكم الدستورية بأن تمنح الملاك الحق في طرد المستأجر من المسكن، مثلما أن تشريع تحرير العلاقة الإيجارية في الأراضي الزراعية منح مالك الأرض الحق في طرد الفلاح، وهو ما حدث بالفعل.
قانون المساكن، كما قانون الأرض الزراعية، قنبلة اجتماعية تسببت في شروخ عميقة في علاقات فئات مجتمعية ببعضها بعضا، وهذه الشروخ عمرها أكثر من مئة عام، فأول قانون في تثبيت الأجرة صدر عام 1920، وأعقبه قانون ثان عام 1921، وتوالى صدور القوانين في العهد الملكي، ثم خلال حكم عبد الناصر، وبعده.
وإذا كان مبارك تجرأ وأصدر قانون تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر في الأراضي الزراعية، فإنه لم يقترب من قوانين الإيجارات القديمة للمساكن، فأبقى عليها كما هي خشية حدوث ما لاتٌحمد عقباه، رغم عدم تفجر احتجاجات عنيفة من جانب الفلاحين عام 1992، حتى جاء العهد الحالي ليقوم بتنفيذ هذه الخطوة.
فقط 24 نائبا في البرلمان احتجوا على القانون، وحذروا من مخاطره، وكافحوا لأجل ألا يتضمن طرد المستأجر، إنما تحرير الأجرة وبقائه في المسكن، لكن لم يُستجب لهم فانسحبوا من جلسة التصويت.
وهناك من يتوعد بالذهاب للمحكمة الدستورية معتبرا أن القانون الجديد يحمل شبهة عوار دستوري لأن حكم الدستورية في 2024 لم ينص على طرد المستأجر.
ونُذّكِر أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية كانت معقولة ومُحتملة أيام مبارك، مما ساهم في امتصاص آثار خروج الفلاحين من أراض كانوا يستأجرونها.
لكن الأوضاع اليوم مختلفة بشكل جذري لجهة المعيشة، وتكاليف الحياة المرهقة، وفي السكن فإن التأجير أو التمليك لشقة في أي منطقة اليوم، ولو شعبية، صار فوق طاقة كثيرين، فما بالنا بالمناطق المتوسطة والراقية.
