حرب الإبادة الإعلامية للرئيس الشرع؟!
الرئيس السوري وفيالق تشويه السمعة

لا شك أن الخلفية الفكرية للرئيس السوري أحمد الشرع، وماضيه الكفاحي، ووصوله إلى الحكم بغير الطرق التقليدية داخل الإقليم، وأيضًا قدرته على الصمود وتجاوز التحديات.. كل تلك الأسباب جعلت منه جسمًا غريبًا غير معتاد، تسعى العديد من القوى داخل الجسد العربي والمحيط الإقليمي لمحاربته ومحاولة إزاحته، حتى وإن لم يتم الإعلان عن ذلك رسميًّا. ولا عجب، فكل نظام مغلق يصادر المختلف.
وفي هذا الإطار أيضًا، يبدو أن البعض يستكثر على سوريا، التي تحررت بالدم والعرق والدموع والتضحيات والمآسي، أن تحصد ثمار ثورتها ماديًّا ومعنويًّا، وأن تعيش وتحيا دولة كريمة مستقلة، بقيادة حاكم وطني يعكس هوية المنطقة تاريخيًّا، خاصة بعد أن بُذلت الملايين من الشهداء والثكالى والمهجرين والمعتقلين.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وربما يكون التماس الإنصاف هو أول الأشياء التي تدفعنا إلى الإقرار بأن المشهد السوري العام معبأ بأجواء التربص والتآمر والتخطيط، بغرض تشويه النظام وإفشال التجربة، خاصة بعد فشل محاولات فرض الوصاية وتغيير الأمر الواقع عسكريًّا وسياسيًّا، بالمناورات والمبادرات وإثارة القلاقل وتحريض الطوائف.
ومن هنا، يتم اللجوء -كما هو واضح إعلاميًّا- إلى محاولة اغتيال شخصية أحمد الشرع معنويًّا، عبر تشويه السمعة وتدمير الذات. وهذا السلاح خطير وقديم، ولون معروف ومجرّب من الحروب النفسية التي يُقصد بها إنزال الأضرار والخسائر والأذى بمن أُقيمت ضده، حيث إن التشويه قد يعتمد على ذرة من الحقيقة أسفل جبل من الأكاذيب.
وخطورة هذا الأمر أنه يمزق الثقة، ويفرق الجماعة، ويشيع الكراهية والفتنة. وبالمناسبة، هو أقوى سلاح يمكن استخدامه ضد سلطة وليدة، وهو ما يعكس وجود قوى عدائية لا تعمل بشكل عشوائي، ولكن بناءً على دراسة سياسية وأمنية ونفسية دقيقة.
طوفان خبري مضلل
ومع أجواء الاتهامات بالعمالة والتربص للنظام السوري، وفبركة الأخبار المشينة، بهدف التأثير في المجتمع، وتكوين فكر جمعي معادٍ، تمهيدًا للوصول إلى الهدف المنشود.. لم يكن غريبًا ما نشرته شبكة “البي بي سي” في التحقيق الاستقصائي الذي نُشر في العاشر من شهر مايو/أيار الماضي، حيث لا يمكنك بعد قراءة التقرير إلا أن تقول: “يا إلهي، إنه طوفان خبري وإعلامي موجه على مدار الساعة”، فقد تمكن فريق “البي بي سي” من تحليل عينة تشمل أكثر من 400 ألف منشور على منصة “إكس”، من خلال رصد أكثر من مليوني منشور مرتبط بالأحداث في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد.
واكتشف أن هناك شبكات من الحسابات الخارجية التي تنشط على المنصة، تعمل على تأجيج الطائفية، ونشر خطاب الكراهية، إلى جانب ترويج معلومات مضللة حول الأوضاع في سوريا.
وقد أوضح هذا التحقيق أن هذه الشبكات تُدار بشكل منسق ومنهجي، ضمن حملات إلكترونية استهدفت الحكومة السورية وبعض الأقليات، بالتزامن مع التغيرات السياسية التي تشهدها البلاد.
وقد كشف ذلك التحقيق عن أساليب تلاعب تستخدمها تلك الحسابات، ومنها تفعيل الحسابات المبرمجة والوهمية، والاستغلال الخوارزمي، واستخدام تكتيكات شائعة مثل النشر المتزامن، وإعادة نشر المحتوى القديم، ونسج روايات ملفقة للتأثير في الرأي العام.
وبالطبع، لم يتضمن هذا التحقيق ما حدث بعد ذلك من موجات التشهير بسمعة الوجه الأول للثورة السورية، وهو الرئيس أحمد الشرع، حيث جرت أعلى موجات التشويه والتشكيك والاتهامات بالعمالة عبر الفضائيات والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، بهدف زعزعة الثقة وإسقاط الهيبة، وبث الفرقة.
التشكيك في الثورة
لقد أضحى للمواطن العربي وِردٌ يومي من متابعة الأخبار المنتشرة على الفضائيات ومواقع التواصل ومواقع الصحف، التي تتهم الشرع وحكومته بالإخفاق والعمالة، والتخلي عن الدور الوطني والقومي والإسلامي.
ولقد فطنت الجهات التي تدير فيالق تشويه السمعة إلى أن الشرع لن يضيره كثيرًا تصنيفه واتهامه بالإرهاب، فكثيرًا ما اتُّهم بذلك سابقًا إلا أنه نجح في تجاوز الأمر، لذا سعى أعداؤه في اتهامه زورًا بالعمالة (وهو من حارب لأكثر من 13 سنة من أجل وطنه، وناهض المحتل الأجنبي حتى وُضع على رأسه 10 ملايين دولار). فتارة يتم نشر أخبار مضللة عن تطبيع سري مع إسرائيل، وتارة تُنشر أخبار مفبركة عن التنازل عن هضبة الجولان، وتارة أخرى يُجرى التشكيك في الثورة كإنجاز سوري، ويُنشر ويُؤوّل بكثافة تصريح للسفير الأمريكي السابق في دمشق، روبرت فورد، يدّعي فيه أنه قد قام بتأهيل أحمد الشرع.
ولقد ردت الخارجية السورية على عدد من الادعاءات، وإن جاء الرد متأخرًا بعض الشيء، وربما السبب في ذلك هو عدم القدرة على ملاحقة حجم النشاط المحموم لملايين الحسابات المناهضة للشرع وللثورة السورية لأسباب مختلفة.
وحرِيٌّ بنا معرفة أن تلك الأخبار والتصريحات والحوارات والمقاطع المرئية وملايين التدوينات، التي تتجه إلى أذهان المواطن العربي، تسعى لتصدير أمرين: أولهما، أنه لا يوجد ما يسمى بحكم الثورة في تلك المنطقة المنكوبة، فثورة الشعوب تعني الهلاك والعمالة للغرب، ولن تنجح مهما حدث. وثانيهما، أنه لن يتم السماح للإسلام بالدخول في معادلة الحكم، فالحكم بمرجعية الإسلام النضالي والسياسي يعني الإرهاب والطائفية والاقتتال الداخلي.
مواجهة الاغتيال المعنوي
إن أخطر ما يمكن أن يفعله النظام السوري الآن هو أن يتجاهل الحرب الإعلامية الدائرة ضد سمعته وهيبته. وإذا كان الشرع ونظامه يستندون على التراث الإسلامي وشريعته وتاريخه وحضارته، فمن المؤكد أنه قد علم أن الاغتيال المعنوي كان قد سبق الاغتيال الشخصي للعديد من الحكام في التاريخ الإسلامي.
لذا، فعلى النظام السوري أن يسارع باتخاذ الخطوات الجادة لمواجهة التحديات القوية التي تعصف بالوضع في سوريا.
ومن تلك الآليات التي يمكن من خلالها فك عقدة المشهد الإعلامي والسياسي: الرد الفوري والتعامل بسرعة مع الادعاءات الكاذبة، وتقديم الأدلة والحقائق للرد عليها.
هذا إضافة إلى الشفافية والوضوح، والتواصل الدائم مع الشعب لتوضيح الحقائق وتجنب الشائعات.
ويحتاج الأمر أيضًا إلى العمل على بناء ثقة مع الشعب، من خلال الإنجازات التي تعود بالنفع على المجتمع.
كما يتطلب وجود دعم قانوني للتدخل السريع في حال كانت هناك ادعاءات كاذبة، أو خطر على المجتمع يحتاج إلى التدخل الحاسم.
وينصح أيضًا باستخدام وسائل الإعلام للتوعية والتثقيف والترابط مع الجماهير، حتى يمكنهم الدراية بكيفية التعامل مع المعلومات الزائفة، والتحقق منها قبل التسليم بها أو نشرها.
