“مها الصغير”.. إذا كان لا بد من السرقة فلتكن لوحة!
بين السرقة والإبداع.. أزمة الفن في زمن النسخ السريع

hpلإبداع تلك الشرارة الغامضة التي تنبع من أعماق الروح، فتحوّل الفكرة العابرة إلى لوحة تنبض بالحياة، أو لحنٍ خالد، أو قصة تسكن الذاكرة وتُخلد في الوجدان.
كنت أظن دومًا أن الإبداع هبة فطرية، يولد بها البعض دون غيرهم، وأن الفنانين العظام خُلقوا بطبيعة استثنائية تميزهم عن سواهم. لكن مع الوقت، بدأت أرى الصورة من زاوية مختلفة؛ فمعظم المبدعين لم يولدوا عباقرة، بل صاروا كذلك بالتعلّم، والتجربة، والفشل، وبسنوات طويلة من الشغف والإصرار والبحث عن الذات.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
أصبحت أومن اليوم بأن الإبداع ليس امتيازا محفوظا لأشخاص دون غيرهم، بل هو طاقة كامنة في كلٍّ منا، تنتظر من يوقظها ويمنحها العناية والوقت للتعبير. ومع ذلك، فإن هذه الطاقة، بكل ما تحمله من صدق ومعاناة، أصبحت مهددة في زمن الرقمنة والانتشار السريع. لم تعد سرقة الإبداع تقتصر على نقل فكرة أو اقتباس أسلوب، بل أصبحت تمتد إلى الروح التي استُنزفت لصناعة كل عمل فني، وإلى الرحلة الخفية التي خاضها المبدع للوصول إلى لحظة الإلهام.
الشهرة على حساب الآخرين
في هذا السياق، تتكرر بين الحين والآخر، وقائع مؤسفة تعكس حجم التجاوز بحقوق المبدعين، لعلّ أحدثها ما ارتبط بالإعلامية ومصممة الأزياء المصرية مها الصغير. التي ظهرت في برنامج “معكم منى الشاذلي”، مستعرضة مجموعة من اللوحات الفنية، معلنة أنها من إبداعها الشخصي، وأن الرسم كان وسيلتها لاستعادة توازنها النفسي في أوقاتها العصيبة.
لكن سرعان ما انقلبت القصة، بعدما اتهمتها الفنانة الدنماركية ليزا نيلسون باستخدام إحدى لوحاتها دون إذن أو إشارة إلى مصدرها الأصلي. ولم يتوقف الجدل عند هذا الحد، بل تصاعد أكثر بعد ظهور فنان فرنسي يُدعى “سيتي”، اتهم مها الصغير كذلك بعرض لوحات له أنجزها عام 2017، وتوقيعه ظاهر عليها بوضوح.
تلك الاتهامات، التي انتشرت على نطاق واسع عبر مواقع التواصل، سلطت الضوء مجددًا على قضايا الملكية الفكرية، وأهمية احترام حقوق الفنانين، خاصة في ظل الفضاء الرقمي المفتوح الذي يصعّب أحيانًا التمييز بين الإلهام والانتحال. ومع تصاعد الردود، اضطرت مها الصغير إلى الاعتراف بخطئها، وقدمت اعتذارا علنيا عبر صفحتها الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها تمر بظروف صعبة.
صحيح أن مها تحدثت بصراحة عن معاناتها، وشرحت كيف كان الرسم متنفسًا لها في مرحلة من الانهيار والتشتت، لكن الاعتراف بالمعاناة لا يُعفي من المسؤولية. فالألم لا يبرر التعدي على جهد الآخرين، ولا يبيح نسب أعمالهم إلى الذات تحت أي ظرف.
واللافت أن هذه الواقعة لم تكن سابقة منفردة، بل جاءت في سياق سلسلة من التجاوزات، أبرزها ما ارتبط بالفنانة التشكيلية غادة والي، التي وُجّهت إليها اتهامات باستخدام رسومات لفنان روسي في تصميم محطة مترو “كلية البنات” بالقاهرة. بعد أن أجرت عليها تغييرات طفيفة لا تُخفي الأصل ولا تنفي التشابه.
وقد اعتُبر ما حدث حينها تعدّيًا صريحا على حقوق فنية واضحة، ومثالًا آخر على تجاهل متكرر لأبسط مبادئ النزاهة الإبداعية.
بين الاقتباس المشروع والتعدي الصريح
ليس عيبًا أن يقتبس المبدع أو يستلهم من أعمال سابقة. بل إن ذلك جزء لا يتجزأ من سيرورة الفن، بشرط أن يكون الأمر واضحًا، وأن يُذكر المصدر، كما فعل كبار الفنانين على مر العصور.
فـبابلو بيكاسو، أحد أعظم مبدعي القرن العشرين، لم يُخفِ يومًا تأثره بالفن الإفريقي. بل إن بعض أعماله تكاد تكون استنساخًا لوجوه وأجساد مأخوذة من منحوتات وأقنعة تقليدية من القارة السمراء. لكنه لم يكتف بالنقل، بل أعاد توظيفها برؤيته الخاصة، ليخلق عالمًا بصريًّا جديدًا، مختلفًا في الشكل والدلالة.
كذلك فإن إحدى أشهر قصص الحب في تاريخ الأدب العالمي، وهي روميو وجولييت، لم تكن وليدة خيال شكسبير الخالص. بل إن جذورها تعود إلى الكاتب الإيطالي لويجي دا بورتو، وتطورت على أيدي آخرين، وصولًا إلى النسخة التي قدّمها شكسبير بأسلوبه المسرحي المتفرّد، مضيفًا إليها عمقًا إنسانيًّا وجماليًّا جعلها خالدة.
وبطريقة مشابهة، نجد أن الشاعر ت. س. إليوت استند في قصائده إلى نصوص وأساطير ومراجع قديمة، دينية وأدبية. لكنه أعاد تشكيلها ضمن بنية شعرية حداثية مبتكرة، أثْرت المعنى وأضفت على النصوص الأصلية أبعادًا جديدة. لقد كان الاقتباس هنا فعلًا واعيًا، لا محاولة للتمويه أو الانتحال.
وهكذا يفعل كبار المبدعين: لا يخفون مصادر إلهامهم، ولا يتنكرون لمن سبقهم، بل يُعلنون التأثر، ويجعلونه جزءًا من خطابهم الفني.
ولعل ما نحتاج إليه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو إعادة إحياء ثقافة النزاهة الإبداعية، وتقدير المسارات الفردية التي يسلكها الفنانون الحقيقيون للوصول إلى صوتهم الخاص. فالفن ليس وسيلة للظهور السريع، بل مسؤولية اتجاه الذات واتجاه من سبقونا وألهمونا. وفي عالم تُقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات والإعجابات، يصبح التمسك بالأصالة شجاعة، ويغدو الاعتراف بالمصدر شرفًا لا نقصًا. وحده الفن النزيه يملك القدرة على البقاء. أما الزيف، فلا يصمد طويلًا أمام عين جمهور أصبح يعرف كيف يفرّق بين من يبدع ومن يسرق.
