بين القومي والسيبراني.. لماذا احترقت “أعصاب رمسيس”؟

بينما تتعرض شبكات الاتصالات والإنترنت في العالم لهجمات عديدة من قراصنة أو محترفي الاختراق، أو خبراء الأمن السيبراني في الدول المعادية، أو الجماعات الإرهابية أو الإجرامية، فإن شبكة الاتصالات المصرية ما زالت تتعرض لكوارث كانت تقليدية في الماضي، من قبيل الحرائق الناتجة عن تماس كهربائي، أو ارتفاع درجات الحرارة في غرف المعدات وأجهزة التحكم.
قبل يومين، اندلع حريق هائل في مبنى “سنترال رمسيس” بوسط القاهرة، في الشارع الذي يحمل اسم أحد أعظم ملوك الحضارة المصرية، “رمسيس الثاني”، الذي كان الشارع يحتضن تمثاله أمام المبنى الأثري لمحطة قطار القاهرة حتى عام 2006.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وسائل إعلام محلية شبه رسمية وصفت الحادث بأنه “محدود”، رغم أنه دمّر بشكل تام أربعة طوابق على الأقل، وكانت الخسائر البشرية اختناق أربعة مهندسين، وُجدت جثثهم على مكاتبهم.
في تناقض واضح، اعترفت وسائل الإعلام بتأثر خدمات شركات الاتصالات الهاتفية، وشبكة الإنترنت، وبعض الأنظمة البنكية المرتبطة بالسنترال، وبتعطل كثير منها على نطاق واسع، كما تم قطع الكهرباء والغاز عن مناطق وسط القاهرة.
وسائل الإعلام، التي استغلت الحدث لبث دعايات فجّة عن بناء دولة جديدة على أنقاض الدولة القديمة، رجّحت منذ البداية فرضية وجود “ماس كهربائي”، دون أن تنسب هذا الاحتمال لأي خبير موثوق به أو غير موثوق به.
وبينما هلّلت قنوات ومواقع إلكترونية، وروّجت لخبر السيطرة على الحريق بنسبة 95٪، فإنه بعد 48 ساعة من اندلاع الحريق، ما زالت أعمدة الدخان وبعض ألسنة اللهب تُشاهد بوضوح وهي تتصاعد من المبنى القديم، مع جهود مستمرة من رجال الحماية المدنية لوقف استمرار الحريق.
مئة عام في وسط البلد
يبدو المبنى الذي يضم سنترال رمسيس قديمًا، لكنه لا يحمل أي علامة على تميّز طابعه المعماري، فقد افتُتح في 25 مايو/أيار عام 1927، وبرغم أهميته باعتباره مركز تجميع كابلات الاتصالات من عموم البلاد، فإن أجهزة التكييف التقليدية التي تطل من جوانبه لا تشير إلى أنه مرّ بموجة التحديث أو الرقمنة التي يُفترض أن تضمها جدرانه.
وبرغم أن جميع الوزارات والمؤسسات الكبرى قد تم نقلها إلى العاصمة الإدارية، التي أُنشئت حديثًا شرق القاهرة على طريق السويس حيث الاتساع، ومعايير الأمن الصناعي والسيبراني، فإن سنترال رمسيس، ذا الأهمية المركزية، الذي يمثل عصب الاتصالات في مصر، ظل في مكانه المحاط بالباعة الجائلين، في غياب سيطرة سلطات المرافق المحلية، مما جعله بؤرة زحام وضجيج وتلوث وسط القاهرة.
أسئلة بعد الحريق
ليست المسألة في اندلاع حريق، فهذا أمر يمكن حدوثه في أي مكان من العالم، ولكن المؤسف هو ذلك الارتباك الذي شهدته شبكات الاتصالات والإنترنت وبعض أنظمة البنوك والدفع الإلكتروني عقب الحريق، وما زالت التأثيرات مستمرة جزئيًّا بعد يومين من الحريق، وهناك أسئلة يمكن إجمالها فيما يلي:
أولًا: هل يمكن وصف البنية الرقمية في مصر بالهشاشة؟ فعلى الرغم من التوسع في الرقمنة، فإن هذا التوسع لا يواكبه اتخاذ احتياطات للتعامل مع الأحداث الطارئة، مثل أنظمة الإنذار المبكر، وإدارة الأزمات والكوارث.
ثانيًا: تُعرف مصر بأنها دولة مركزية منذ فجر التاريخ، ويبدو أن طابع الدولة المصرية كمركز قوي ما زال مسيطرًا، فلا مبرر لأن تتركز خدمات مهمة في منطقة وسط القاهرة بكل زحامها وضجيجها الذي يعيق التعامل السهل والسريع في حالات الكوارث المربكة.
ثالثًا: عدم وجود نظام احتياطي بديل يسمح بانتقال سريع وآمن، في حالات الطوارئ، لمراكز خدمة ونقاط أخرى.
رابعًا: هناك أخطار تتعلق بالتخريب والقرصنة والتعطيل لأي سبب، ولا يبدو أن ثمة خططًا جاهزة لمواجهة ذلك.
خامسًا: تنعدم الشفافية والرقابة في قطاع الاتصالات، وتُغل يد الصحافة عن كشف السلبيات وتركيز الضوء عليها، فالمبالغ الطائلة التي تدفعها شركات الاتصالات من حملات إعلانية ورعايات لبرامج أجهزة الإعلام المختلفة، تصنع جدارًا عازلًا يمنع الصحافة من القيام بدورها، وتصبح أقرب إلى ممارسة دور العلاقات العامة منها إلى الإعلام.
القومي والسيبراني!
يبدو مصطلح “الأمن السيبراني” مهجورًا في الإعلام المصري، وهو يعني أمن المعلومات والأمن الرقمي، وذلك رغم أن مصطلح “الأمن القومي” يتم تداوله على نطاق واسع، ويتحدث فيه من يفهمه ومن لا يفهمه، وتُفرد له مساحات من التغطيات في إطار الدعاية (البروباغندا).
يبدو المصطلحان وثيقي الصلة، لكن الأول بعيد عن التداول لأنه يشير لاحتمال حدوث اختراق، وهو ما لا يُفضّله “حارس البوابة” القائم على توجيه السياسات الإعلامية. ويبدو التعامل حذرًا مع المصطلح، رغم أنه يطرح نفسه للتداول بعد حريق “سنترال رمسيس”.
أما المصطلح الثاني، فقد تم استهلاكه لأسباب سياسية، وتوسّعت الإشارة إليه للسبب نفسه، لأنه يضع محاذير أمام بعض الموضوعات بداعي الأمن القومي.
ليس هناك وعي حقيقي بأن الأمن السيبراني هو عين الأمن القومي، وأن مصطلحات مثل السيادة والسيطرة والحدود الآمنة، لا بد أن تتداخل في نقاش جاد بين المصطلحين.
يتعامل العالم مع الأمن السيبراني باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي، ويتداخلان لدى متخذ القرار، إذ إن اختراق البنية المعلوماتية لا يقل خطرًا عن اختراق الحدود الجغرافية، بل يمكن أن يكون اختراق البنية المعلوماتية مؤثرًا على اختراق الحدود الجغرافية بسبب تعطل أنظمة مراقبة الحدود، وأنظمة تسجيل المسافرين والعابرين.
كي أكتب وأُرسل
لم أتخيل أن الهاتف سيصبح في يدي مجرد قطعة صامتة بلا قيمة، وأن إرسال هذا المقال سيكلفني عناء الانتقال إلى حي آخر في مدينة الجيزة، بعيدًا عن مقر العمل في محيط سنترال رمسيس بوسط القاهرة، لكي أتمكن من متابعة الحدث، ولتدقيق بعض المعلومات، ولكي أتمكن من إرساله أخيرًا بعد أن ضرب الشلل خدمة الإنترنت بوسط القاهرة.
ساعات أو أيام وينطفئ حريق السنترال الأهم والأكبر في مصر، الذي يمثل مركز تجمع أعصاب شبكات الاتصالات في مصر، لكن أسئلة ستظل مشتعلة، يتصاعد دخانها بدون إجابات، طالما استمرت السياسة نفسها في قطاع الاتصالات.
وسيظل السؤال الأهم: من المسؤول عن احتراق “أعصاب رمسيس”؟
