هل يعاني نتنياهو حالة إنكار الواقع؟

نتنياهو (الفرنسية)

ذهب نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأمريكية للمرة الثانية خلال شهور قليلة منذ تولي ترامب رئاسته الثانية. ذهب، وهو المطلوب دوليًا بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة التي قُتل خلالها ما لا يقل عن 60 ألفًا من أهل غزة، وأُصيب ما لا يقل عن 100 ألف فلسطيني، واستقبله الرئيس الأمريكي، شريكه الرئيسي في جرائم قتل الأطفال والنساء والأطباء والإعلاميين والفتيات والشيوخ والعجائز، استقبال الأبطال في تحدٍّ صارخ للقانون والمجتمع الدولي.

المرة الثانية لزيارة رئيس وزراء الكيان الصهيوني القاتل والمحتل كانت بناءً على دعوة ترامب، الذي يقع تحت ضغط وعده بإنهاء الحروب في الشرق الأوسط. وبعد توقيع الاتفاق مع إسرائيل وإيران على وقب حرب الـ12 يوما، جاء الدور على غزة، وتحت ضغط داخلي صهيوني نتيجة المقاومة الكبيرة والمكلفة للمجتمع الصهيوني من قتلى، أصبحوا يتساقطون في كمائن المقاومة الباسلة في غزة يوميًا، وصارت جنائز قتلاهم متتالية.
ولكن ما حدث في المؤتمر الصحفي الذي عقده ترامب ونتنياهو كان في عالم آخر غير الواقع.

ترامب لا يرى الواقع

شاهدت المؤتمر، وهي من المرات القليلة التي أستطيع الجلوس أمام الشاشة لمشاهدة مؤتمرات لهذا الثنائي. تملكني نوعا من الدهشة، وتعجبت كثيرًا مما قيل من الطرفين. حاولت أن أستوعب ما قيل، وكان خلاصة ما يحدث أن هناك انفصالًا تامًا لهما عن الواقع وما يحدث فيه.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

بدا لي ترامب وهو يتحدث عن ما حدث في الحرب الإيرانية الصهيونية وكأنه في حالة إنكار لواقع ما حدث. ترامب لا يزال يتحدث عن تحطيم قدرات إيران النووية، وخسائر كبيرة كبّدها الجيش الإسرائيلي لإيران، والتأثير الكبير للضربة الأمريكية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية.
تناسى ترامب – أو ربما ينكر – كل التقارير التي تقول إنه يهول كثيرًا ما حدث من آثار لتلك الضربات الجوية، وأهمها تقرير المخابرات الأمريكية الذي ينفي ما يعتقده أو يتصوره ترامب عن الضربة الجوية الأمريكية. كما تحدث ترامب عن ضرب القواعد الأمريكية من جانب إيران بشكل كوميدي، وكأنها متفق عليها، وتناسى أن قبوله الضربة اعتراف بقوة الخصم.

التهجير مرة ثانية

كان حديث ترامب عن تهجير أهل غزة، وقبول دول في محيط فلسطين استقبال أهل غزة، غريبًا في نفس الوقت الذي يتساقط فيه قتلى جيش الاحتلال بالعشرات بحسب اعتراف الكيان نفسه. وتمادى ترامب بتهديده المتكرر عن الجحيم الذي ينتظر غزة وحماس حال رفض الاستسلام وتسليم الأسرى.

للمرة الثانية، يتناسى ترامب البطولات في غزة والكمائن التي تلتهم وتدمر جنود الاحتلال. وتناسى – أو ربما لا يستوعب – أن مليونين من فلسطينيي غزة لا يزالون يقاومون بعد 643 يومًا من حرب الإبادة.
ألم يشاهد ترامب الرجال والنساء الذين يوارون أبناءهم ثرى غزة ولا يزالون هناك؟ ألم يشاهد العجوز الفلسطيني الجالس جلسة القائد العظيم يحيى السنوار على حطام منزله، وهو يتحدى الكيان الصهيوني وأمريكا ومن يعاونهم، متمسكًا بالأرض، أرض الأجداد والأحفاد؟!

تصاعد التأييد لغزة

لا يزال ترامب يتحدث عن ريفيرا غزة. أي ريفيرا تلك والأرض تخضبت بالدماء؟! والدماء تنبت الأبطال في كل لحظة. يتحدى ترامب الواقع، حتى الواقع الأمريكي نفسه، والذي أصابه بالصدمة منذ أيام قليلة في نيويورك، عندما فاز زهران ممداني بترشيح الحزب الديمقراطي، وهو المعروف بتأييده لفلسطين والمقاومة الفلسطينية، بل قال إنه سيقبض على نتنياهو حال زيارته المدينة!

تناسى – أو ينكر – ترامب أن 50% من الشباب الأمريكي يؤيدون حماس. ويتناسى أيضًا أن هناك تريندًا ضخمًا في العالم يجتاح الشباب تحت عنوان: “الموت لجيش إسرائيل”، وهو الذي بدأ بحفل لمغني الراب بوبي فيلان، وأطلق جملته: “الموت لجيش إسرائيل”، بعدما نادى بحرية فلسطين. فقامت الدنيا ولم تقعد في بريطانيا وأمريكا، فإذا بالشعار يصبح على ألسنة الشباب في العالم، وعلى الجدران والملابس.

نتنياهو في صدمة

حالة الإنكار لتأثير “طوفان الأقصى” لم تُصب ترامب وحده، بل امتدت للشريك القاتل بنيامين نتنياهو، الذي لا يزال يردد جملته المتكررة عن القضاء على المقاومة الفلسطينية (حماس)، وتسليم سلاح المقاومة، وخروج قادتها من غزة.

يبدو أن صدمة كمين “بيت حانون المركب”، التي ظهرت في صورته وهو يتلقى الخبر في واشنطن، جعلته يهرب من الواقع ويحاول إنكاره.
كمين بيت حانون، الذي قُتل فيه حسب المصادر الإسرائيلية 5 جنود، وأُصيب 11 آخرون، بينهم اثنان في حالة خطرة، كان كمينًا مكوّنًا من ثلاث مراحل: الأولى لدبابة، ثم لفرقة إنقاذ، ثم أخرى جاءت لإنقاذ الفرقة، واستطاعت المروحيات إنقاذ آخرين من الأسر.
هذا الكمين زاد من حالة نتنياهو النفسية، وهو الذي كان قبلها بدقائق يطالب بترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام!

نتنياهو الذي لم يفق بعد من تأثير “طوفان الأقصى” وتبعاته، وما حدث في تل أبيب نتيجة القصف الإيراني وتدمير ثلثها، وتدمير مواقع عسكرية، ومراكز بحثية، ومطارات، وموانئ، لا يزال يتحدث عن خروج حماس، وتسليم سلاحها، حتى تصبح غزة آمنة للكيان الصهيوني. ويحاول أن يقلل من خسائر الجيش الصهيوني، الذي يطالب قادته بتوقيع اتفاق فوري مع حماس. حماس التي يفاوضها ترامب وتابعه نتنياهو تحت ضغط عظيم من المقاومة الفلسطينية.

الجيش يطلب الإيقاف الفوري

الجيش الإسرائيلي يعلن عن انتحار 43 جنديًا فيه. وكان الجندي الأخير قد أحرق نفسه منذ أيام. وفقد الجيش، حسب أعداده (غير الموثوق فيها)، 20 جنديًا في يونيو/ حزيران الماضي، فيما فقد 26 خلال الأسبوع الأول من يوليو/ تموز الجاري، فضلًا عن حالات الاكتئاب التي يمر بها الآلاف من جنوده، وغيرهم من المصابين.
وفي ذات الوقت، لا يزال نتنياهو متمسكًا بأحلامه عن تحرير الأسرى بالحرب، والقضاء على حماس.

تتوالى الصدمات على نتنياهو: من خان يونس، إلى بيت حانون، ومن الشجاعية إلى رفح. كمائن يومية، وجنائز يومية، وبكاء، وصراخ في كل أنحاء الأرض المحتلة من مستوطنيه. فقدان ضباط وجنود من نخبة جيشه الذي لا يُقهر يوميًا!

دوائر سياسية وبحثية، وصحفيون، وسياسيون في الكيان الصهيوني يتحدثون عن خسائر لم يشهدها الكيان منذ نشأته.
أحاديث جانبية عن نهاية الكيان، وكلما توالت تلك الأحداث، وزاد عدد القتلى، مع خسائر الآليات والدبابات، ازداد معها صراخ نتنياهو، وبن غفير، وسموتريتش، ووزراء اليمين المتطرف الصهيوني، وتعالت صرخاتهم: “لن نوقف الحرب”.
وتعمقت حالة الإنكار لدى نتنياهو وترامب، ويرد عليهم أبو عبيدة:
“لن نترك الأرض، سنرسل لكم جنودكم كل يوم، وستزداد جنائزكم، وإنه لجهاد، نصر أو استشهاد”.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان