بين سقوط الدولار وصعود اليوان.. أحلام ومسافات!

الصراع بين الدولار الأمريكي واليوان الصيني كيف ستكون نهايته؟ (الفرنسية)

عاد صعود الدولار في أسواق المال بعد أن حلم كثير منا بسقوطه، باعتباره رمزًا للقوة الغاشمة الأمريكية التي تعربد في المنطقة العربية وتهيمن على العالم شرقًا وغربًا. يُمنّي الحالمون أنفسهم بصعود اليوان الصيني بديلًا للدولار، ضمن أمنيات مكبوتة بأفول حضارة الرجل الأبيض الوحشية لصالح نهضة “الشرق الطيب”.
لا يدرك الحالمون أن العملة، وإن كانت أحد عناصر القوة الخشنة للدول، فهي مجرد أداة تعكس مجموع مصادر القوة التي توظفها الدول في إدارة نزاعاتها وتسوية علاقاتها مع الآخر.

الواقع يخبرنا بأن هيمنة الدولار ثابتة وقوية، ليس فقط لأنه يشارك في نحو 88% من حجم الصفقات الدولية -وفقًا لتقديرات بنك التسويات الدولية حتى عام 2022- ويمثل 68% من حركة التداولات في البنوك المركزية، ولكن لأنه يُستخدم في القمع الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة، بغطاء قوة عسكرية غير مسبوقة في التاريخ، تدفع الدول إلى توجيه مدخراتها واستثماراتها نحو أدوات الدين الحكومية وشراء الأصول داخل الولايات المتحدة.

عسكرة الدولار


عسكرة الدولار، وإن كانت مؤثرة في الاتحاد الأوروبي ونمو “اليورو” الذي تراجع نصيبه من 34.3% عام 2013 إلى 30.5% عام 2022 -وفقًا لبنك التسويات الدولية في سويسرا- لكنها لم تكن وراء تراجع الين الياباني المريض بمعدلات التضخم وضعف الاقتصاد المحلي، وكذلك اليوان الصيني الذي يتقدم ببطء شديد من مستوى 2.2% إلى 7% خلال تلك الفترة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

تضاعف حجم اقتصاد بيجين خلال تلك الفترة، وأصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد عالميًّا، بناتج إجمالي يبلغ 18 تريليون دولار، يوفر 30% من الناتج الصناعي الدولي، وتتحكم في 10% من حجم الصادرات الدولية، وهي الشريك التجاري الأول لأكثر من 100 دولة. والأهم أنها أصبحت ثالث قوة عسكرية تقليدية ونووية من حيث حجم الأسلحة القادرة على شن عمليات عسكرية في البر والبحر والفضاء، والأكبر من حيث تعداد الجنود والقوات البحرية، والثانية من حيث الإنفاق العسكري الذي يفوق 280 مليار دولار سنويًّا.

رغم ضخامة الاقتصاد الصيني وقوته العسكرية، فإن عملته ما زالت بعيدة تمامًا عن أن تصبح قادرة على إسقاط الدولار عن عرشه الذي يتربع عليه منذ 70 عامًا. فمع محاولة بعض الدول دفعه ليصبح عملة موحَّدة لتجمع دول “بريكس” -التي تضم 60% من سكان العالم واقتصادات كبرى مثل الهند والصين والبرازيل وروسيا وجنوب إفريقيا، إضافة إلى دول عدة تطلب الانضمام- فإن الصين لا تبدي اهتمامًا كبيرًا بهذه المحاولات.

تدرك الصين أن تحويل اليوان إلى عملة دولية له ثمن باهظ. فرغم تقدمها العسكري والاقتصادي، فإنها غير قادرة حتى الآن على دفع هذا الثمن. سبق أن فعلت إنجلترا ذلك، عندما خاضت حروبًا استعمارية ضد الصين نفسها، حين رفضت دفع قيمة مشترياتها النفيسة بالفضة الصينية، إضافة إلى حروب عدوانية خلال القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين لبسط نفوذ الإسترليني بالقوة على اقتصادات الدول التي احتلتها وشركائها الدوليين. كذلك خاضت واشنطن معارك في الحربين العالميتين الأولى والثانية ليصبح الدولار عملة العالم الجديد، بعد جريمة ضد الإنسانية تمثلت في إلقائها -قبل 80 عامًا- أول قنبلة نووية على اليابان، بعد تدمير شامل لمدن وقلاع صناعية في ألمانيا، ومحو المؤسسات الدولية القائمة قبل الحرب لصالح مشروعها الإمبريالي والنظام المالي الجديد الذي تديره حاليًّا عبر مؤسسات الأمم المتحدة وصندوق النقد والبنك الدوليَّين.

حروب العملات


عادة ما يكون صراع العملات مقدمة لحروب عالمية واسعة. لذا، لا تتوقف الصين عند مخاوف الدخول في منافسة بين اليوان وعملات الولايات المتحدة أو الغرب وحلفائهم من دول الجوار المتربصة بها، فلا رغبة حقيقية لديها في إطلاق تعويم حقيقي لليوان. وفي الوقت نفسه، لا نية للحكومة الشيوعية في الابتعاد عن إدارة سعر الصرف، وإن بدا تخليها -ظاهريًّا- عن عقيدتها الماركسية اللينينية والمبادئ الثورية الاشتراكية لصالح النظام الرأسمالي القائم على حرية الأسواق ومرونة سعر الصرف وفقًا لنظرية العرض والطلب.

يقول صندوق النقد الدولي إن اليوان مقوَّم بأقل من قيمته بنسبة 8.5% في عام 2024، بينما يقدّره خبراء معهد “بروكنجز” الأمريكي بأقل من قيمته بنحو 20%. ووفقًا لتقييم الخزانة الأمريكية ومؤسسات دولية عديدة، فإن اليوان يتأرجح صعودًا وهبوطًا في حدود ما بين 2% و5% بالموجب أو السالب على الأكثر طوال العقدين الماضيين، بما يجعل انخفاضه مصطنعًا وصعوده محميًّا في مواجهة التوترات التي تشهدها حركة التجارة وأسواق المال.

مع انكماش أسعار المستهلكين وضعف الطلب المحلي على شراء السلع والخدمات بكل أنواعها أخيرًا، يحافظ البنك المركزي على قيمة اليوان مقابل الدولار بنسبة 1:7 تقريبًا، بعد ملاحظته هروب مليارات الاستثمارات إلى الخارج خشية حدوث ذعر مالي يقضي على احتياطي البلاد من العملة الصعبة. وفي المقابل، ترفض الصين أي ضغوط أمريكية أو دولية تدفعها إلى تحرير سعر الصرف، إذ ترى أن عملتها الضعيفة هي سر قوتها، إذ تساعدها في تعزيز صادراتها وخفض وارداتها. وإذا ما فرطت في هذا النموذج الذي تتبعه منذ عقود، فإن العواقب ستكون وخيمة على المستويين المحلي والدولي.

الحرية لا تتجزأ


يبدو أن حذر النظام من تعويم اليوان على المستوى الوطني أشد خطورة، لأنه في حال تركه لآليات السوق، قد يحدث عند الانخفاض المفاجئ ذعر مالي للشركات، وتهرب رؤوس الأموال إلى الخارج بحثًا عن ملاذات مستقرة واكتناز العملات القوية. وعند الارتفاع، ستحدث موجات تضخمية تسبب تراجع الطلب على السلع الصينية وخسارة وظائف محلية يصاحبها اضطرابات اجتماعية، وهي خطوط حُمر مخيفة لنظام قائم على قبضة أمنية قاسية.

في الحالتين، سيُطلب من الدولة أن تتبع سياسات مالية مرنة، ورقابة على القطاع الخاص والمجتمع المدني، وشفافية في تقييم سعر الصرف، يمكن للشركات والمؤسسات الدولية إخضاعه لبرامج الحوكمة. وهذه أمور ترتبط عادة بحرية تداول المعلومات، والرقابة على التدفقات المالية، وتحجيم القطاع العام.

تسعى الصين دومًا إلى جني ثمار حرية السوق دون أن يفقد الحزب الشيوعي الحاكم سيطرته على الاقتصاد، وبخاصة إدارة سعر الصرف، وحركة رؤوس الأموال، واحتياطي الدولار الضخم الذي يتراوح عادة ما بين 3 و4 تريليونات دولار، بما يمكّنها من تثبيت العملة ومواجهة الأخطار الطارئة، وإن تعارض ذلك مع استقلالية البنك المركزي والشفافية المالية وحرية تداول المعلومات.

الدوافع التي تجعل الصين متمسكة بالدولار هي نفسها التي جعلتها -في اجتماع دول “بريكس” الشهر الماضي بالأرجنتين- ترفض استخدام اليوان عملة موحَّدة للمجموعة أو ربط صادراتها ووارداتها به، إذ تلتزم بمبدأ التبادل التجاري والمالي بالدولار أو بعملة رئيسية، أو عبر المقايضة بقيمة السلع، ضمن اتفاقيات خاصة للتبادل التجاري تُسوى باليوان.

هذا النهج يجعل إصدار عملة موحَّدة بلا أساس اقتصادي متين بين “بريكس” وحلفائها، وخاصة العرب الذين يأملون التخلص من قوة الدولار الطاغية دون أن يكون لهم دور في تغيير البيئة الجيوسياسية التي جعلته -بلا منازع- مهيمنًا على أموالهم ومصالحهم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان