تيك توك في قفص الاتهام: شهرة، استغلال، وغسيل أموال

بعض الدول أغلقت تطبيق تيك توك مثل: تركيا وهكذا يظهر التطبيق في أنقرة، فهل يكون هذا هو الحل؟ (الأناضول)

 

في زمن تحوّل فيه الهاتف المحمول من مجرد وسيلة اتصال إلى صندوق أدوات رقمي يجمع عشرات الأجهزة في يدك — من كاميرا فيديو وكاميرا تصوير، إلى راديو ونظام ملاحة ومحفظة إلكترونية ومكتبة ألعاب وغيرها، حتى أصبحت الهواتف الذكية نافذتنا الأولى على العالم. ومن خلال منصات التواصل الاجتماعي، أُعيد تشكيل طبيعة التفاعل الإنساني ومفاهيم الشهرة والنفوذ. لم تعد الأضواء حكرًا على الفنانين أو الشخصيات العامة، بل صار بإمكان أي شخص يحمل هاتفًا ذكيًا، ويمتلك وقت فراغ، وبعض الإلمام بخوارزميات المنصات، أن يجد نفسه في صدارة “التريند” حتى إذا كان التريند غير مألوف أو مثيرًا للجدل.

ومن بين عشرات التطبيقات التي غزت المشهد الرقمي، تميز “تيك توك” بقدرته الفائقة على صناعة نجوم اللحظة، لكنه في الوقت نفسه أطلق عاصفة من الأسئلة الأخلاقية والقانونية، خاصة في مجتمعات محافظة مثل مصر، التي تشهد موجة من الملاحقات القضائية بحق من يُعرفون بـ”مشاهير التيك توك”.

من تطبيق محلي إلى ظاهرة عالمية

لم يكن في الحسبان أن تطبيقًا وُلد في الصين عام 2016 باسم “دوين” سيصبح بعد سنوات معدودة من أبرز التطبيقات المؤثرة في السلوك البشري عالميًا. فبعد استحواذ الشركة المطوّرة على تطبيق “ميوزكلي” عام 2017، واعتماد “تيك توك” اسمًا للنسخة الدولية، بدأ العالم يشهد موجة غير مسبوقة من الانتشار الرقمي، خاصة بين المراهقين والشباب.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

تعتمد المنصة على فكرة بسيطة: فيديوهات قصيرة، مؤثرات بصرية جذابة، وخوارزميات ذكية تفهم اهتمامات المستخدم، ما يدفعه للبقاء أطول وقت ممكن.
وفي خضم هذا الانغماس، تحول التطبيق إلى منصة مغرية للمعلنين وساحة مفتوحة للمؤثرين وصنّاع المحتوى الباحثين عن الانتشار السريع، وكذلك للشركات الباحثة عن جمهور من الشباب سريعي التفاعل.

ومع الوقت، تجاوز دوره الترفيهي، ليصبح أداة لتشكيل الذوق العام وتوجيه اختيارات الشباب، وحتى إعادة تعريف مفاهيم النجاح والشهرة والقيم.

بين حرية التعبير وتجاوز الخطوط الحمراء

رغم ما أتاحه “تيك توك” من فرص في مجالات مثل التسويق الرقمي، والتعلم السريع، ودعم المبادرات المجتمعية، فإن جانبًا آخر من المنصة يظل محل انتقاد. فقد لجأ بعض المستخدمين إلى استغلال طبيعة التطبيق وسرعة انتشاره لتحقيق أرباح من خلال محتوى سطحي أو استفزازي، يفتقر غالبًا لأي قيمة معرفية أو إبداعية.

هذا النمط من المحتوى، الذي يعتمد في كثير من الأحيان على الإيحاءات أو التصرفات الاستفزازية، يجد بيئة مثالية بين جمهور يشمل بشكل كبير الفئات العمرية الصغيرة والمراهقين. ولم يقف الأمر عند حدود “اللا محتوى”، بل ظهرت ظواهر باتت تُعرف بـ”الاستعطاف الرقمي”، حيث يُقدَّم محتوى مفتعل أو مبالغ فيه، هدفه الأساسي استدرار عاطفة المتابعين، سواء عبر رسائل مؤثرة أو عروض مباشرة توحي بالحاجة إلى الدعم.

واللافت أن هذا التفاعل لا يقتصر على المشاهدة أو التعليق، بل يتطور إلى منح ما يُسمّى بـ”الهدايا الرقمية” أثناء البث المباشر، وهي هدايا يمكن تحويلها إلى أموال حقيقية، الأمر الذي يجعل المنصة مجالًا جاذبًا لتحقيق ربح سريع، وإن كان أحيانًا على حساب القيم الأخلاقية والمعايير المجتمعية.

غسيل الأموال عبر تيك توك: هل هو ممكن؟

في مصر، بدأت السلطات باتخاذ إجراءات قانونية ضد عدد من مشاهير “تيك توك”، بعد تصاعد البلاغات القضائية من محامين وناشطين ومواطنين ضد طبيعة المحتوى المنتشر على المنصة. شملت القائمة أسماء مثل: “سوزي الأردنية”، و”مداهم”، و”شاكر محظور”، و”أم سجدة”، و”أم مكة”، فضلًا عن أسماء أخرى، حيث وُجّهت إليهم تهم منها نشر محتوى خادش للحياء، والإخلال بالقيم الاجتماعية، والتربح من “الهدايا الرقمية” في غياب رقابة مالية أو ضريبية.

تُطرح هنا مفارقة مقلقة: هل يمكن استغلال “تيك توك” لغسيل الأموال؟ الجواب: نعم، ليس فقط نظريًا، بل بناءً على وقائع قيد التحقيق. فآلية غسيل الأموال تقوم على إضفاء الشرعية على أموال غير مشروعة عن طريق ضخها في صورة دعم ظاهر عفوي من المتابعين، وتتخذ شكل “هدايا رقمية” تُحوَّل لاحقًا إلى أموال يمكن سحبها أو تحويلها عبر حسابات بنكية وأصول عقارية.

وقد بينت التحريات الرسمية أن “سوزي الأردنية” أودعت نحو 15 مليون جنيه في استثمارات عقارية لإضفاء شرعية على مصدر الأموال، بينما أظهرت معاملات “مداهم” حركة مالية بلغت 65 مليون جنيه عبر شركات وسيارات وأصول.

كان هذا المشهد دافعًا لخبراء القانون والضرائب إلى المطالبة بفرض رقابة مالية أوسع على أرباح المنصات، وإلزام صناع المحتوى بالكشف عن مصادر دخلهم، ودخولهم المنظومة الضريبية.

لكن الحلول لا تقتصر على الجانب الأمني أو المالي، بل تمتد إلى إصلاح بيئة المنصات الرقمية، وتفعيل تشريعات واضحة تحدد المحتوى الضار، إلى جانب تعزيز دور الأسرة والمدارس والإعلام في بناء وعي نقدي لدى النشء، وتقديم بدائل إيجابية تنظّم مسار الشهرة الرقمية بما يحقق قيمة فعلية للمجتمع.

المنصة ليست العدو… بل طريقة الاستخدام

تيك توك، وغيره من المنصات الرقمية، ليست شرًّا في ذاتها، بل هي أدوات؛ يحدد أثرها أسلوب الاستخدام. يمكن لهذه المنصات أن تكون مساحة للإبداع، والتعلم، ووسيلة للتعبير الحر، لكنها قد تتحول بسهولة إلى ساحات للفوضى الأخلاقية إذا تُركت دون ضوابط أو وعي.

وفي عالم يتغير بسرعة، علينا أن نكون فاعلين لا مجرد متلقين. ولا يجوز أن نترك الفضاء الرقمي يقودنا دون وعي، بل علينا أن نعيد توجيهه بما يخدم الإنسان والمجتمع.

ما يحدث حاليًا في بعض زوايا تيك توك ليس “ترندًا عابرًا”، بل إنذارًا يستدعي يقظة جماعية، تحصّن القيم، وتعيد ضبط بوصلة المجتمع من جديد.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان