وداعا أنس الشريف.. صوت غزة الذي ارتقى سريعا

ومن يمكن أن يرتقي شهيدًا، جائعًا، مناضلًا، حاملًا ميكروفون الجزيرة الصادح بالحق حتى النفس الأخير مثل أنس الشريف، وزميله وأخيه محمد قريقع، ومن قبلهما عشرات من الأصوات الحرة؟ كيف للشهادة أن تخطئ مثلك يا أنس، وأنت لم تترك مكانًا استهدفه العدو الغاشم إلا وكنت سبّاقًا إليه لتنقل حقيقة الطغيان الذي تخطى كافة أنواع الطغيان قبله على مدى التاريخ المكتوب؟
كيف تتخطاك الشهادة وأنت ناقل الحقيقة التي يخشاها العدو، ويحاول تزييفها ليل نهار؟ كيف تتخطاك الشهادة إلى غيرك وقد فضحت ممارسات طالما أخفوها، ليراها العالم فتنتفض الشعوب على جرس صوتك الواهن إثر الجوع الطويل، وعبر دموعك الناطقة بألم أهلك وذويك وشعبك الذي كنت تسبقه حيث يكون، نحو المستشفيات تارة، ونحو القصف الشديد تارة، ونحو المساعدات المهينة تارات أخرى؟
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
كيف تتخطاك الشهادة وأنت من ودّعت أقرانك، وزملاءك، وإخوانك بصوت رغم رعشته الحزينة فإنه كان قويًّا مزلزلًا لكيان العدو، فأعلن استهدافك شخصيًّا كي يطمس الحقيقة، ويُسكت أصوات الحق قبل عمليات أعلن عنها باجتياح القطاع كله، فكان لا بد من إسكاتك، وطمس كاميرات زملائك قبل الحدث الذي هددوا به طويلًا؟ فهل كان قتلك يا أنس مقدمة لجريمة أكبر أرادوا ألا يراها العالم يا صوت الحق الذي صمت فجأة؟
الصحافة تنزف بغزة
سيذكر التاريخ أنه في مساء الأحد 10 أغسطس/آب 2025، استشهد الصحفي أنس الشريف وزميله محمد قريقع، جراء قصف استهدف خيمة للصحفيين مقابل مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، ليكتمل بذلك الرقم 265 صحفيا في جرائم ضد الإنسانية، وضد الحرية، وضد الحق، وضد الحقيقة. ويعلن الاحتلال جريمته بالاعتراف بكونها «اغتيالًا» على مرأى ومسمع من العالم أجمع، ويضاف للجريمة الشنيعة أن القصف أسفر أيضًا عن استشهاد المصورين إبراهيم ظاهر ومحمد نوفل.
أنس الشريف، الشاب المولود عام 1996، هو خريج قسم الإذاعة والتلفزيون في جامعة الأقصى، وقد وثّق الجرائم ضد غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، حتى عُيّن مراسلًا ميدانيًّا لقناة الجزيرة، فكان يضيء الشاشة على مدار اليوم بتقاريره المبكية، وتحذيراته القوية، وفضحه لجريمة تطهير عرقي وإبادة جماعية تتم على مدار الساعة في غزة المحتلة. لقد سبق أنس الكثير من الصحفيين الممثلين لصوت الشعب المناضل، الناقلين للحقيقة المرّة، إسماعيل الغول، وهاني المدهون، وعصام بهار، وحسام مبارك، وعشرات غيرهم. وقد سبقتهم من قبل، في إحدى التغطيات، صوت الحق الذي افتقدناه في تلك التغطيات الخطيرة، شيرين أبو عاقلة، التي طالما كانت سبّاقة نحو المهالك، ليظل صوت فلسطين حاضرًا رغم ارتقاء الشهداء كل يوم، ولتظل الحقيقة حاضرة رغم محاولات التغييب في كل لحظة.
رسالة أنس الأخيرة للعالم
وكأن هناك ما يُعد له، فأرادوا إنهاء صوت أنس قبل نشره لجرائم يُعد لها بليل. ومع قتله، فإنهم لم يستطيعوا منع رسالته الأخيرة من الوصول إلى العالم الحرّ كي ينتبه لما يُحاك. في منشوره الأخير، يقول الشهيد الحرّ قبل لحظات من اغتياله الآثم: «إذا لم ينتهِ هذا الجنون، فستُدمَّر غزة، وتُكمم أصوات أهلها، وتُمحى وجوههم، وسيذكركم التاريخ كشهود صامتين على إبادة جماعية اخترتم ألا توقفوها».
فماذا رأى أنس من إعدادات بالقطاع ليرسل عبر صفحته تلك الرسالة إلى العالم؟ هل حقًّا يمكن أن يجتاح جيش الاحتلال القطاع بالكامل فيقطع عن أهله حتى الهواء، وتكون النهاية الحتمية للإنسانية كلها على تلك الأرض؟ هل حقًّا يمكن أن يقدم عليها رغم تخوف العالم كله -إلا القليل من حلفائه الذين أصبحوا معدودين- وتحذيره من الإقدام عليها؟ يبدو أن الدولة الفاشية لم يعد أمامها سوى أن تفعلها كي تحقق نصرًا مزيفًا بقتل المزيد من الأبرياء من الأطفال والنساء والجوعى والصحفيين الذين لا يملكون سوى أصواتهم وبضع كلمات يتفوهون بها في وجه القصف والتجويع. ليس مستبعدًا أن تفعلها الدولة الدموية، ويصدق صوت أنس وكلماته الأخيرة المحذرة من قتل من بقي من شعب يقاوم بالصمود، ولا يملك سوى الصمود.
فمتى يتحرك المجتمع الدولي لحماية هؤلاء قبل فوات الأوان؟ إن جريمة اغتيال أنس الشريف ومحمد قريقع، والغول، ومن سبقوهم ومن سوف يلحقون بهم، يجب أن لا تمر مرور الكرام، فليست مجرد خسارة فردية لشاب كان كل حلمه نقل الحقيقة، وبضع تمرات يضعها في أفواه أطفال ينقل عنهم، ومنهم أطفاله الصغار الذين شهدوا موته على أعينهم، وشهد جوعهم، ولم يملك لهم لقيمة يطعمهم بها ويسد جوعتهم. إنها جريمة ليست عادية، ويجب أن لا تمر دون وقفة جماهيرية عالمية، تندد وتمنع المزيد من الإجرام فوق أرض تشبعت بالدماء، وجاعت حين مُنع عنها كل ما يسدّ الرمق.
يجب أن تقف المنظمات الدولية لحماية ناقلي الحقيقة، وألا تسقط أصوات الشعوب لمجرد صوت لا تملك غيره، فتضيع معهم الحقيقة ليفقد العالم ما بقي لديه من إنسانية، إن كان ثمة إنسانية باقية. يجب أن تتوقف التهديدات والاستهدافات العبثية اليومية في تحدٍّ صارخ لكل القيم الإنسانية المعروفة وغير المعروفة، فضلًا عن الدينية والأخلاقية، ويجب أن لا تمر دون محاسبة.
وداعًا أنس الشريف، وداعًا محمد قريقع، وداعًا حاملي الكاميرات وإن كنتم مجهولين للناس، فلستم عند الله بمجهولين. وداعًا يا بقية الخير في البشرية، وآخر الأصوات الحرة، يا مقاتلي البغي بكلمات كالرصاص، ولسوف يكون ارتقاؤكم نورًا يضيء لمن خلفكم من أصحاب الحقوق، الذين ما زالوا على قيد التنفس ثابتين رغم الجوع. يا من كنتم أصواتًا للحقيقة في حياتكم، سوف يكون موتكم أظهر لها، فإن كنتم يومًا تنطقون بألسنتكم، فها هي الرسالة الأخيرة تصدحون بها بدمائكم وأرواحكم، فسلام عليكم في العالمين.
