الجامعات الألمانية في مرمى الاستخبارات الصينية!

رئيس الصين (غيتي)

في خضم الصراع العالمي واحتدام التوترات بين القوى الكبرى، تدور حرب تجسسية واسعة النطاق بالتوازي مع الصراعات العسكرية المشتعلة. ومن حين لآخر، تكشف السلطات الألمانية عن شبكات للتجسس العلمي والصناعي.

ففي العام الماضي، دعت وزارة التعليم الألمانية الجامعات إلى توخي الحذر عند التعاون في مشاريع مشتركة مع الصين، بعد تزايد عمليات التجسس الصينية، وهي اتهامات تنفيها الصين باستمرار وتصفها بأنها “افتراءات سياسية” تهدف إلى تقويض الثقة بين البلدين.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وشهدت ألمانيا العام الماضي اعتقال ثلاثة مواطنين ألمان في دوسلدورف وهامبورغ، للاشتباه في تورطهم في الحصول على معلومات حساسة في مجال التكنولوجيا العسكرية بهدف نقلها إلى الصين. ورغم خطورة هذه القضايا، حرصت الصين على التأكيد أنها لا تسعى للإضرار بعلاقاتها مع برلين، ووصفت ألمانيا بأنها “شريك تجاري مهم على المدى الطويل”. بل إن الخارجية الصينية استدعت السفيرة الألمانية في الصين لتسجيل اعتراضها على ما وصفته بـ”الادعاءات غير المسؤولة” الصادرة من برلين.

شراكة اقتصادية بوجهين


من الناحية الاقتصادية، ترى ألمانيا في الصين سوقًا حيويًا لصادراتها، خاصة في قطاع السيارات والتكنولوجيا الهندسية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أنها منافس نظامي قوي. فالصين هي الشريك التجاري الأول لألمانيا منذ سنوات، وبلغ حجم التبادل التجاري بينهما عام 2023 نحو 266.68 مليار دولار. وترتبط الدولتان بشراكة استراتيجية منذ عام 2014، تشمل التعاون في مجالات الصناعة والطاقة والبحث العلمي.

لكن، خلف هذا التعاون، تؤكد تقارير الاستخبارات الألمانية وجود اهتمام صيني بالغ بالتطورات العلمية والصناعية الألمانية يصل إلى حد التجسس الممنهج. ففي العام الدراسي 2021، أظهرت الإحصاءات أن نحو 40 ألف طالب صيني يدرسون في الجامعات الألمانية وفق اتفاقات ثنائية. ورغم أن هذه الأعداد تعكس انفتاح النظام التعليمي الألماني، إلا أن المخاوف تزايدت من أن الطبيعة الحرة للأبحاث قد تتيح للبعض الاطلاع على مشاريع متعلقة بصناعة السلاح أو التطبيقات العسكرية، خصوصًا إذا استمروا في العمل بألمانيا لسنوات بعد التخرج.

تدرك الصين أن تفوقها الصناعي وحاجة ألمانيا إلى السوق الصينية قد يحدان من قدرة برلين على ممارسة ضغوط سياسية تتعلق بملفات حساسة مثل قضية أقلية الإيغور، وهونغ كونغ، وأوضاع إقليم التبت. وفي هذا الإطار، تُقدّر الخسائر السنوية للاقتصاد الألماني الناتجة عن أنشطة التجسس بنحو 200 مليار يورو. ويشير خبراء إلى أن هذا الرقم قد يكون أكبر، إذ إن العديد من الشركات لا تكشف عن بيانات الخسائر خشية الإضرار بسمعتها أو ثقة المستثمرين.

الصين في مختبرات ألمانيا


أهمية التجسس الصيني تكمن في مبدأ “التعرف على الخصم قبل أي مواجهة”، وهو ما جعل الصين تركز على الجامعات، والاستحواذ على الشركات، والاستثمارات المباشرة. وقد عززت الصين هذا التوجه عبر قانون أساسي صدر عام 2017 يلزم أي منظمة أو مواطن بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات عند الطلب. هذا القانون، في نظر برلين، يمثل خطرًا إضافيًا، لأنه يجعل أي طالب أو باحث أو موظف صيني محتمل الارتباط بالعمل الاستخباراتي.

في هذا السياق، كشف الصحفي «إيل إيكرت» في تحقيق استقصائي عن قضية تجسس بارزة في الجامعة التقنية بميونيخ، كانت بطلتها أستاذة جامعية من أصول صينية وزوجها، عملا على تطوير خوارزميات لتحليل بيانات الأقمار الصناعية. هذه الخوارزميات يمكن استخدامها أيضًا في تحليل صور الموجات فوق الصوتية الطبية للكشف عن الأمراض باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهو تطور علمي قد يسهم في إنقاذ حياة ملايين المرضى، لكنه في الوقت نفسه قد يخدم تطبيقات عسكرية إذا نُقل إلى مؤسسات صينية.

وأظهرت التحقيقات أن الأستاذة وزوجها يمتلكان 15% من أسهم شركة طبية صينية، وسجلا عدة براءات اختراع لدى الشركة في مجالات تتقاطع مع أبحاثهما الجامعية. كذلك تستخدم هذه الشركة تقنيات الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي، أي نفس أبحاث الأستاذة الجامعية، وهو مجال تضعه الصين على رأس أولوياتها في خطتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، التي تهدف لجعل الصين رائدة عالميًا بحلول عام 2030.

خبراء الأمن يحذرون السلطات الألمانية


القضية أثارت جدلًا واسعًا في ألمانيا، خاصة في ولاية بافاريا حيث مقر الجامعة، إذ طالب نواب من حزب الخضر الحكومة المحلية بتقديم بيان مفصل. كما أعرب كبار الساسة في مجالي الأمن والشؤون الداخلية عن قلقهم من احتمالية تسرب تقنيات “الاستخدام المزدوج” التي يمكن توظيفها مدنيًا وعسكريًا.

ويؤكد خبراء الأمن أن البحث التجاري الحر غير موجود فعليًا في الصين، فجميع المشاريع هناك تخضع لمراجعة دقيقة بحثًا عن إمكانية الاستفادة العسكرية. وهذا يعني أن أبحاث تحليل صور الأقمار الصناعية، مثل تلك التي أجرتها الأستاذة، قد تحمل صلة مباشرة بالتطبيقات العسكرية، بما في ذلك مراقبة التحركات في النزاع حول تايوان.

ويحذر الخبير الأمني «بولينز» من أن هذه القضايا تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الألماني، مشيرًا إلى أن الفلسفة السائدة في الصين تقوم على إلزام الشركات بتسليم التقنيات الجديدة للدولة، بما في ذلك تلك التي يمكن توظيفها في القطاعات العسكرية. ويضيف أن هذا النهج يجعل أي تقدم علمي في ألمانيا هدفًا محتملًا للعيون الصينية، ويعزز من شراسة «حرب الظل» الدائرة بين البلدين.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان