أنس الشريف ورفاقه.. لماذا يتجاهلون قواعد السلامة المهنية؟!

هذه نهاية تليق بك يا أنس، توقعتها وتوقعناها قبلك، استعددت لها بكتابة وصيتك قبل 4 أشهر، كنت تنظرها كل ليلة، ومع كل قذيفة وانفجار، ومع ذلك لم تهبها لحظة، كنت تهرول حيث موقع الانفجار في لحظاته الأولى الذي يفترض أن العدو سيتبعه بقصف آخر بمجرد تجمع الناس ليقتل منهم عددا أكبر، كنت أول من ينقل الصورة الخام كاملة قبل أن يتدخل المسعفون وفرق الإنقاذ، لم تكن متبنيا لرواية تنظيمية كما زعم قاتلوك، لكنك كنت تتبنى رواية الواقع الذي تنقله كما هو بلا رتوش.
لم يكن الشهيد أنس الشريف (29 عاما) -ابن مخيم جباليا مهد انتفاضة الحجارة- مجرد مراسل صحفي تقليدي يلهث خلف السبق الصحفي مع الاعتناء بأمانه الشخصي وفقا لقواعد السلامة المهنية التي تتضمنها كتب ومواثيق الصحافة، والتي لا تفتأ شبكة الجزيرة وغيرها من القنوات الإخبارية تذكر بها مراسليها، لكنه كان مراسلا من طبيعة خاصة، فهو صاحب قضية قبل أن يكون صحفيا، وقد استثمر مهاراته الصحفية في الذود عن قضيته، وهذا ما منحه طاقة إيمانية جبارة كانت هي المحرك له وسط الأهوال التي تعيشها غزة منذ قرابة العامين.
شهداء الحقيقة
لم يكن أنس وحده في هذه الصورة، بل معه أيضا كل الصحفيين والمصورين من أبناء غزة، الذين ملؤوا فراغ هروب الصحفيين والمراسلين الأجانب، بل إنهم كانوا الأخلص، والأصدق، والأمهر في نقل الأحداث، والأكثر جسارة على اقتحام الأهوال، ولذا فقدوا 237 شهيدا منذ بداية العدوان الإسرائيلي على القطاع، وهو رقم لم يتكرر من قبل في أي حروب عالمية كبرى أو صغرى، فقد قتل في الحرب العالمية الثانية التي امتدت ست سنوات 69 صحفيا ومصورا، وقتل خلال حرب فيتنام ضد الاحتلال الأمريكي على مدى عشرين عاما 63 صحفيا، وقتل في الحرب الكورية على مدى 3 سنوات 17 صحفيا، وفي حرب أوكرانيا الحالية قتل حوالي 20 صحفيا حتى الآن.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
أنس ومحمد قريقع وإبراهيم ظاهر ومؤمن عليوة ومحمد نوفل الذين قتلهم العدو عمدا في خيمتهم، واعترف بجريمته هم جزء من كتيبة الإعلام المقاوم في غزة، الصحفيون والمراسلون والمصورون من أبناء القطاع هم جزء من تيار المقاومة بشكل عام، ولا ننسى في هذا الإطار الإشارة إلى أن نظراءهم الإسرائيليين هم جزء من جيش الاحتلال أيضا، وأنهم ضمن قوات الاحتياط دوما، ويمارسون عملهم من فوق ظهور دبابات ومدرعات وطائرات الاحتلال خلال قصفها وإبادتها للفلسطينيين.
نصيب الأسد للجزيرة
جريمة الاحتلال بقتل أنس ورفاقه ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، سبقتهم على هذا الطريق شيرين أبو عاقلة، وسامر أبو دقة، وإسماعيل الغول، وأحمد اللوح، وحسام شابات، وحمزة الدحدوح، وغيرهم من مراسلي الجزيرة، ومعهم عدد آخر من مراسلي القنوات والمواقع الإخبارية الأخرى، وإن ظلت الجزيرة صاحبة نصيب الأسد من الشهداء والمصابين، ولها التحية من كل أحرار العالم على تغطيتها التي فضحت جرائم الاحتلال، وبشاعة حرب الإبادة والتجويع في غزة في الوقت الذي هرب فيه المراسلون الأجانب طوعا أو قسرا، وفي الوقت الذي غاب فيه الإعلام العربي في غالبه عن ساحة التغطية.
الغارة التي قتلت أنس ورفاقه في خيمة معروفة للصحفيين هي جزء من حرب أكبر للعدو ضد الصحفيين والمراسلين في غزة، الذين ينقلون الرواية الحقيقية المبطلة والداحضة لروايته الكاذبة، وهذا النقل الحي للعدوان وجرائمه هو أشد ما يؤلم الكيان حاليا، وقد سعى للسيطرة على الرواية الإعلامية مبكرا لكنه فشل حتى الآن بفضل هؤلاء الصحفيين والمصورين الشجعان، أصحاب الرسالة، فعمد إلى محاولة تشويههم، لتبرير قتلهم، والادعاء بأنهم أعضاء نشطون في حركة حماس، وراح يزيف وثائق ومستندات للتدليل على كذبته، لكن ذلك لم يقنع أحدا، وقد خرجت المقررة الأممية لحرية الرأي والتعبير قبل أيام لتحذير العدو من اغتيال أنس وفقا لتلك المزاعم الفارغة، لكن جيش الاحتلال لم يأبه لتلك التحذيرات.
في مؤتمره الصحفي الأخير حاول نتنياهو تكرار تلك الأكاذيب عن المراسلين في غزة، وزعم أنه سيسمح للمراسلين الأجانب بالعودة إلى القطاع، لكنه حتما لن يفعل إلا لبعض المراسلين الصهاينة، وإن حملوا جنسيات أجنبية، وعملوا في شبكات عالمية، وسيكونون رغم ذلك تحت السيطرة التامة لجيش الاحتلال ويعملون من خلاله فقط، وكان الأجدر بنتنياهو أن يسمح بعودة شبكة الجزيرة التي أغلق مكتبها في رام الله.
خلية الكذب والتزييف
البحث عن أدلة أو صناعتها لإضفاء الشرعية على جرائم جيش الاحتلال في غزة مثل قتل الأطفال الإسرائيليين، وإطلاق الصواريخ على المستوطنين، أو اتخذا المدنيين دروعا بشرية إلخ هو مهمة خلية جديدة حملت الاسم ذاته “خلية إضفاء الشرعية” في دائرة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وفقا لما نشره الكاتب والمخرج الإسرائيلي يوفال أبراهام، الذي أوضح أن المهمة الرئيسة لتلك الخلية هي العثور على الصحفيين الغزيين الذين يمكن تقديمهم في وسائل الإعلام على أنهم نشطاء من حماس متنكرون، وهذا ما زعموه في وصف أنس الشريف تبريرا لاستهدافه!!
يتوهم العدو أنه بقتل أنس ورفاقه ومن سبقوه سيصبح قادرا على احتكار الرواية في غزة كما حلم وخطط، لكنه يخطئ مجددا في هذا الوهم، فكما تعوض كتائب المقاومة المسلحة قادتها وكوادرها، فإن كتيبة الإعلام المقاوم تعوض تلقائيا شهداءها، فهناك عدد لا بأس به من المراسلين والمصورين لا يزالون يعملون تحت القصف، وهناك متطوعون جدد يلتحقون بتلك الكتيبة الإعلامية لاستكمال الطريق، حتى تبقى التغطية مستمرة تنفيذا لوصية انس ورفاقه، ولا ننسى أن أهل غزة أصبحوا جميعا مواطنين صحفيين ينقلون عبر هواتفهم جرائم العدوان وبشاعاته للعالم، وهم يستطيعون أن يصبروا على الجوع، لكنهم لا يصبرون على انقطاع الإنترنت بتعبير وائل الدحدوح.
